ذات صلة

الأكثر مشاهدة

تصعيد خطير في هرمز.. عدوان أمريكي يستهدف جزيرة لارك والحرس الثوري يتوعد بالرد

شهدت منطقة مضيق هرمز، مساء الأحد، تصعيداً عسكرياً جديداً...

طهران تهتف بالوفاء والنهج.. تشييع القائد الشهيد الخامنئي يتحول إلى استفتاء شعبي كاسح ورسالة تحدٍّ تتجاوز الجغرافيا

في مشهد استثنائي طبعته الهيبة والوفاء والحضور المليوني، امتلأ مصلّى طهران وساحاته والطرق المؤدية إليه بحشود غفيرة جاءت من مختلف المدن الإيرانية ومن خارج البلاد، لتشارك في وداع قائد الثورة الإيرانية السابق الشهيد السيد علي خامنئي، في حدث تجاوز حدود التشييع التقليدي ليتحول إلى موقف سياسي تاريخي يعلن بوضوح أن الجمهورية الإسلامية لا تشيّع قائداً فحسب، بل تجدد العهد مع نهجه وخطه وخيار المواجهة في وجه الولايات المتحدة وكيان الاحتلال.

ومنذ الساعات الأولى قبيل الفجر، بدأت ملامح هذا المشهد تتشكل على نحو لافت، حيث فُتحت البوابتان الشمالية والشرقية لمصلّى الإمام الخميني في طهران قرابة الساعة الرابعة فجراً، وبدأت أمواج الجماهير تتدفق إلى المكان قبل ساعات من الانطلاق الرسمي للمراسم. ومع حلول الساعة السادسة صباحاً، انطلقت مراسم الوداع رسمياً وسط حضور بشري كثيف، فيما كانت الشوارع المحيطة بالمصلّى قد امتلأت منذ وقت مبكر بحشود جاءت من طهران ومختلف المحافظات الإيرانية، في صورة عكست حجم الارتباط الشعبي والعقائدي والوجداني بالقائد الشهيد.

ولم يكن المشهد مجرد حضور جماهيري كثيف، بل طوفاناً بشرياً هادراً اتشحت فيه الحشود بالسواد، ورفعت الأعلام والرايات الحمراء وصور الشهيد القائد، واختلطت فيه مشاعر الفقد بالغضب، والحزن بالعهد، والدموع بإرادة الثأر والمواصلة. وقد أدى المشاركون صلاة الفجر جماعة في المصلّى، قبل أن يتحول المكان إلى ساحة بيعة ووفاء وإعلان تمسك بخيار المقاومة والثبات. وتعالت الهتافات التي عبّرت عن جوهر اللحظة، من قبيل “كلمتنا واحدة.. الانتقام، الانتقام” و“الموت لأميركا”، في تأكيد على أن دم الشهيد لم يُقرأ في الشارع الإيراني باعتباره خسارة فحسب، بل باعتباره راية تعبئة جديدة.

وتشير التقديرات إلى أن مراسم التشييع، الممتدة على مدى ستة أيام وتشمل محطات عدة داخل إيران والعراق، مرشحة لاستقطاب ما بين 15 إلى 20 مليون مشارك، ما يجعلها أكبر جنازة رسمية في تاريخ البلاد، وواحدة من أكبر مشاهد التشييع السياسي والشعبي في المنطقة. كما تحدثت تقارير عن حضور ومتابعة ووفود من أكثر من 100 دولة، بما يضفي على الحدث بعداً دولياً يتجاوز الإطار الإيراني الداخلي، ويعزز طابعه بوصفه محطة إقليمية وأممية ذات رسائل متعددة الاتجاهات.

وفي الميدان، عبّر المشاركون عن هذا المعنى بوضوح. فالشابة حنانة موسوي قالت إنها جاءت لتوديع قائدها الذي لم تكن تتصور أن ترى يوماً كهذا، فيما أكد علي كاظمي، القادم من تبريز، أن الحضور في الجنازة هو إعلان التزام بالدفاع عن الوطن والدين. أما حميد تيموري، القادم من همدان، فاختصر عمق الصدمة والارتباط حين قال إنه لم يبكِ حتى عند وفاة والده كما بكى عند استشهاد السيد القائد. وهذه الشهادات الميدانية، بما تحمله من عفوية وعاطفة وصدق، تكشف أن التشييع لم يكن ترتيباً بروتوكولياً أو حضوراً مناسباتياً، بل انفجاراً شعبياً هائلاً عبّر عن مكانة الشهيد في الوجدان الإيراني.

ولهذا، فإن مشهد طهران لم يُقرأ بوصفه وداعاً لقائد فحسب، بل باعتباره رداً سياسياً ورمزياً مباشراً على كل الرهانات التي صاحبت العدوان الأمريكي الإسرائيلي، والتي قامت على فرضية إضعاف النظام، وكسر تماسك الدولة، وعزل الجمهورية الإسلامية داخلياً وخارجياً. فجاء التشييع ليقول العكس تماماً: الدولة ما تزال متماسكة، والحاضنة الشعبية أكثر حضوراً، وخيار المقاومة أكثر رسوخاً، وأن استهداف القيادة لم ينجح في شلّ الإرادة العامة، بل أعاد تعبئتها على نحو أوسع وأشد.

وفي هذا السياق، تذهب طهران إلى اعتبار التشييع محطة تتقاطع فيها السياسة والرمزية ورسائل القوة. فهي لا تضعه في إطار عاطفي بحت، بل في سياق استعادة مسار كامل ارتبط باسم الشهيد، وفي مقدمة ذلك مقاومة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، وصون استقلال القرار الإيراني، وتثبيت مكانة الجمهورية الإسلامية في معادلات المنطقة. ومن هنا، يصبح التشييع أيضاً لحظة انتقال تاريخية، تُطرح معها أسئلة المرحلة المقبلة: هل نحن أمام ختام فصل أم أمام افتتاح فصل جديد أكثر اشتباكاً واتساعاً؟

وبالتوازي مع هذا المشهد، جاءت المواقف الرسمية لتؤكد أن استشهاد القائد لا يعني نهاية المسار بل إعادة تجديده. فقد شدد قائد القوات البحرية في حرس الثورة الإسلامية الأدميرال علي عظمائي على أن القوات البحرية ستواصل السير على نهج القائد الشهيد، وأن الولايات المتحدة وكيان الاحتلال لن يفلتا من تبعات جرائمهما، مؤكداً أن الرد والانتقام من المعتدين آتٍ. وأوضح أن رحيل القائد الشهيد ليس نهاية لمسيرته، بل مناسبة لتجديد العهد بمبادئه والثبات على الطريق الذي أفنى حياته فيه دفاعاً عن كرامة الأمة ومواجهة جبهة الاستكبار. كما شدد على أن دماء الشهداء ستزيد مسيرة المقاومة رسوخاً، وأن راية الحق ستبقى مرفوعة بقيادة السيد مجتبى خامنئي.

هذا المعنى التقطه أيضاً الإعلام الخارجي، حيث رأت منصة “ميدل إيست مونيتور” البريطانية أن مراسم التشييع تجاوزت كونها مناسبة دينية لتتحول إلى رسالة سياسية تؤكد استمرار نهج المقاومة. وأشارت إلى أن الحشود المليونية، والقبضات الحمراء، والشعار المركزي للمراسم “يجب أن ننهض”، لم تكن تعبيراً عن الحزن فقط، بل جسدت معاني الصمود والتحدي والاستمرارية. واعتبر التقرير أن هذه المراسم تمثل “بياناً جيوسياسياً” لا مجرد طقس عزاء، وأنها تعكس اختلافاً عميقاً بين رؤية الغرب المرتبكة لهذا الحدث، ورؤية الجنوب العالمي الذي يقرأ فيه تعبيراً عن ذاكرة مقاومة مشتركة ضد الهيمنة والتدخلات الغربية.

كما لفت التقرير إلى رمزية تزامن التشييع مع شهر محرم، بما يحمله من معنى وجداني في الثقافة الشيعية المرتبط بثورة الإمام الحسين (ع)، وكذلك مع الذكرى 250 لاستقلال الولايات المتحدة، في مفارقة رمزية كثيفة الدلالات بين خطاب الهيمنة الإمبراطورية من جهة، وخطاب الشهادة والمقاومة من جهة أخرى. وأكد أن ما يميز هذه المراسم هو تحويل الحزن إلى رصيد جيوسياسي، بحيث تتحول الجماهير نفسها إلى مصدر قوة، ويصبح الحضور الشعبي رسالة عملية بأن إرادة المقاومة لم تُكسر، بل ازدادت حضوراً وتماسكاً.

ومن المهم أيضاً أن مراسم التشييع لا تقتصر على طهران، بل تمتد وفق الخريطة الزمنية الرسمية إلى قم، والنجف، وكربلاء، ثم مشهد حيث سيوارى الجثمان الثرى في مرقد الإمام الرضا في التاسع من يوليو الجاري. وهذا الامتداد الجغرافي والديني والسياسي يعطي للمراسم بعداً مركباً، يجمع بين الوفاء الشعبي، والرمزية العقائدية، والرسالة الإقليمية التي تؤكد أن محور المقاومة لا يقوم على مركز واحد أو شخص واحد، وأن استشهاد قائد كبير لا يعني أفوله، بل قد يتحول إلى لحظة إعادة إنتاج للقوة والالتحام.

spot_imgspot_img