دخلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة أكثر خطورة بعد أن تحولت خروقات واشنطن لمذكرة تفاهم إسلام آباد من ضغوط سياسية واقتصادية إلى عدوان عسكري مباشر على جنوب إيران، بالتوازي مع إلغاء الترخيص الخاص ببيع النفط الإيراني، ومحاولات فرض وقائع جديدة في مضيق هرمز، ما دفع طهران إلى إعلان موقف شديد الوضوح: انتهى عهد الترهيب والابتزاز، وأي عدوان لن يمر بلا ثمن.
ففي الساعات الأولى، دوّت انفجارات متتالية في سيريك وقشم وبندر عباس، قبل أن تعلن القيادة المركزية الأمريكية بدء “سلسلة من الضربات القوية ضد إيران لفرض كلفة باهظة عليها”، في إعلان صريح بأن واشنطن انتقلت إلى سياسة النسف المباشر للتفاهم ومحاولة إعادة فرض معادلة النار بعد عجزها عن انتزاع التنازلات بالضغط السياسي وحده.
وجاء الرد الإيراني سريعاً على المستويين السياسي والعسكري. فقد أدانت وزارة الخارجية الإيرانية بشدة قرار وزارة الخزانة الأمريكية إلغاء التعليق المؤقت للعقوبات المفروضة على بيع النفط الإيراني، واعتبرت أن هذه الخطوة تمثل “مؤشراً آخر على سوء النية، وانعدام الاستقرار، وعدم موثوقية الإدارة الأمريكية”، محذرة من أن طهران “ستتخذ أي إجراء تراه ضرورياً لصون مصالحها وأمنها القومي”. كما أكد نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي أن إلغاء الإعفاء النفطي يمثل “انتهاكاً صارخاً للمادة 10 من مذكرة تفاهم إسلام آباد”، وأن الضربات العسكرية اللاحقة ضد إيران تشكل “انتهاكاً خطيراً للمادتين 1 و2” من التفاهم نفسه، مشدداً على أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بخروقاتها السابقة عبر التهديدات واستمرار العدوان الصهيوني على لبنان، بل انتقلت الآن إلى تقويض الاتفاق ميدانياً واقتصادياً في آن واحد.
وفي الميدان، أعلنت المؤسسات العسكرية الإيرانية أن العدوان الأمريكي استهدف عدداً من المناطق في جنوب البلاد، وأدى إلى إصابة عاملين في الرصيف التجاري بمدينة سيريك ونقلهم إلى مستشفى ميناب، كما أعلنت وكالة إرنا استشهاد أحد عناصر القوة البحرية في حرس الثورة الإسلامية جراء الاعتداءات الأمريكية التي استهدفت ماهشهر. وفي المقابل، أكد مقر خاتم الأنبياء أن القوات المسلحة ستوجه رداً ساحقاً على العدوان الأمريكي، وأنها “لن تسمح تحت أي ظرف بتدخلهم في شؤون مضيق هرمز وإدارته”، مجدداً أن “الممر الآمن الوحيد لعبور السفن التجارية وناقلات النفط في مضيق هرمز هو المسار الذي تحدده إيران”.
هذا الموقف العسكري تعزز بتصريحات رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الذي أكد أن واشنطن ارتكبت “انتهاكات جسيمة لمذكرة التفاهم”، شملت التهديدات المتواصلة، وإعادة فرض العقوبات النفطية، والعدوان على جنوب إيران، واستمرار العدوان الصهيوني على لبنان، مؤكداً أن “انتهى عهد الترهيب والابتزاز.. ولن نستسلم”. وهو موقف يوضح أن طهران باتت تتعامل مع ما جرى لا كخروق تكتيكية، بل كـ انقلاب أمريكي كامل على التفاهم ومحاولة لإعادة هندسة ميزان القوة بالقصف والحصار معاً.
أما على مستوى الرد الميداني، فقد أعلن المتحدث باسم حرس الثورة الإسلامية أن الدفاعات الجوية الإيرانية أسقطت طائرة أمريكية مسيّرة من طراز MQ-9 في أجواء بوشهر، كما أكد أن الرد الإيراني الأولي شمل عمليات مشتركة بحرية وجوية دمرت 85 منشأة عسكرية أمريكية في مقر الأسطول الخامس بالبحرين وقاعدة علي السالم في الكويت. وفي السياق نفسه، شدد الجيش الإيراني على أن “الانتهاكات الأمريكية المتكررة لوقف إطلاق النار لن تمر دون تبعات”، معلناً أن “جميع القواعد الأمريكية في المنطقة أهداف مشروعة للمسيّرات الإيرانية”.
وعادت الخارجية الإيرانية لتؤكد أن الهجمات الأمريكية الأخيرة تمثل انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة ولمذكرة تفاهم إنهاء الحرب، وأن تكرار هذه الهجمات إلى جانب إلغاء ترخيص بيع النفط الإيراني “أبطل أجزاءً أساسية من اتفاقية إنهاء الحرب”، محملة واشنطن “المسؤولية الكاملة عن العواقب الخطيرة لتصعيد التوتر”. كما وجهت طهران رسالة تحذير إقليمية حادة حين أكدت أن “أي تعاون مع الولايات المتحدة في تنفيذ عدوان على إيران يُعد تواطؤاً ومشاركة في الجريمة”، وأن القوات المسلحة الإيرانية “لن تتردد في الدفاع عن سيادة البلاد وستستهدف مصدر أي عدوان عسكري أمريكي”. ورفع مقر خاتم الأنبياء سقف التحذير أكثر بإعلانه أن “أي جهة تقدم دعماً للجيش الأمريكي المعتدي ستكون هدفاً مشروعاً للقوات المسلحة الإيرانية”.
وفي خضم هذا التصعيد، حملت عودة الرحلات الجوية في مطار الإمام الخميني الدولي بطهران إلى وضعها الطبيعي اعتباراً من الخامسة فجراً دلالة سياسية ومعنوية مهمة، إذ أرادت طهران القول إن العدوان الأمريكي، رغم اتساعه، لم ينجح في شلّ الداخل الإيراني أو فرض صورة ارتباك استراتيجي، بل إن الدولة تمضي في إدارة المواجهة مع الحفاظ على التماسك الداخلي واستمرار المرافق الحيوية.
