تواجه المؤسسة العسكرية الأمريكية ضغوطاً غير مسبوقة مع استمرار الحرب مع إيران، في وقت تتصاعد فيه كلفة العمليات العسكرية وتتراجع قدرة البنتاغون على إدارة انتشار واسع في المنطقة، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي فتح جبهة جديدة مع صنعاء إلى إدخال الولايات المتحدة في “مسار استنزاف طويل ومعقد”.
وتشير المعطيات من داخل واشنطن إلى أن الحرب على إيران بدأت تفرض أعباء ثقيلة على الجيش الأمريكي، مع “استهلاك متزايد للذخائر وتراجع مخزونات الدفاع الجوي والقدرات البحرية”، إضافة إلى الانتشار المكثف للسفن الحربية والطائرات والقوات الأمريكية في الشرق الأوسط، وهو ما دفع إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى مطالبة الكونغرس بتمويل إضافي بعشرات المليارات لتغطية النفقات المتصاعدة.
وفي الوقت الذي يحاول فيه البنتاغون احتواء تداعيات المواجهة مع إيران، برزت مخاوف أمريكية من سيناريو أكثر تعقيداً يتمثل في انتقال الصراع إلى “جبهة صنعاء”، عقب إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض حظر على الملاحة المرتبطة بالسعودية، وما تبعه من مؤشرات على تأثير القرار في حركة السفن ومساراتها البحرية.
ويحذر مسؤولون وخبراء عسكريون أمريكيون من أن دخول واشنطن في مواجهة مباشرة مع صنعاء سيعني “تقسيم الموارد العسكرية بين جبهتين نشطتين”؛ جبهة إيران التي تستنزف القدرات الأمريكية، وجبهة البحر الأحمر التي تتطلب انتشاراً بحرياً وجوياً واسعاً وعمليات استخباراتية متواصلة.
وتكمن خطورة السيناريو بالنسبة للبنتاغون في أن أي تصعيد جديد في البحر الأحمر قد لا يكون عملية عابرة، بل قد يتحول إلى مواجهة مفتوحة تفرض على البحرية الأمريكية “إعادة نشر قطعها الحربية واستنزاف مخزونها من صواريخ الاعتراض والذخائر الدقيقة”، في وقت تواجه فيه واشنطن أصلاً ضغوطاً بسبب تكاليف الحرب مع إيران.
وتقر تقديرات عسكرية أمريكية بأن صنعاء أظهرت خلال السنوات الماضية قدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر وباب المندب، وأن التعامل مع هذا النوع من التهديدات يحتاج إلى “موارد بحرية وجوية كبيرة”، خصوصاً مع امتلاكها قدرات متنوعة تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والوسائل البحرية غير التقليدية.
ويعكس القلق داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية إدراكاً بأن فتح مواجهة جديدة مع صنعاء في هذه المرحلة قد يحول الصراع الإقليمي إلى “حرب متعددة الجبهات”، تضع البحرية الأمريكية أمام اختبار صعب بين حماية مصالحها في الخليج، وتأمين خطوط الملاحة، ومواصلة عملياتها ضد إيران.
وبينما تؤكد واشنطن امتلاكها التفوق العسكري، تكشف النقاشات داخل الكونغرس عن معضلة أعمق تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على تحمل “حرب طويلة جديدة في الشرق الأوسط”، في ظل ارتفاع الخسائر البشرية والتكاليف المالية وتراجع وضوح الأهداف الاستراتيجية.
وفي المحصلة، فإن احتمال توسع المواجهة باتجاه صنعاء يمثل بالنسبة للبنتاغون “كابوس الجبهة الثانية”؛ إذ تخشى القيادة الأمريكية أن تتحول الساحة اليمنية إلى عامل استنزاف إضافي يفرض عليها خوض معركة جديدة في وقت لم تُحسم فيه بعد تداعيات الحرب مع إيران.
