ذات صلة

الأكثر مشاهدة

هكذا تأسست مملكة الضم والإلحاق..

هل تعلم أن المملكة السعودية قامت على أنقاض ثلاث...

سقوط استراتيجية الاستعلاء وفرض قواعد الردع

بالتحول من استراتيجية الدفاع وامتصاص الضربات إلى عقيدة الهجوم...

قتلى خارج سجل الحرب.. البنتاغون يعيد تصنيف خسائره لإخفاء كلفة المواجهة مع إيران

كشفت تقارير صحفية أمريكية عن تلاعب إداري وسياسي في طريقة تسجيل خسائر الجيش الأمريكي خلال العدوان على إيران، بعدما خُفّض عدد القتلى في قاعدة بيانات البنتاغون من 18 إلى 14 عسكرياً، قبل أن يعاد إدراج أربعة قتلى لاحقاً تحت تصنيف جديد منفصل عن العملية العسكرية التي أطلقت عليها إدارة دونالد ترمب اسم “الغضب الملحمي”.

وبحسب صحيفة واشنطن بوست، حذف البنتاغون أربعة قتلى من سجله الإلكتروني، بينهم ثلاثة جنود قتلوا في ضربة صاروخية إيرانية استهدفت قاعدة أمريكية في الأردن يوم 17 يوليو، وجندي رابع قُتل في اليوم التالي بهجوم بطائرة مسيّرة إيرانية على قاعدة في العراق.

ولم يكن حذف الأسماء مجرد خطأ عابر في العد، إذ عادت الوفيات الأربع إلى السجل بعد انكشاف القضية، لكن تحت تصنيف مختلف حمل اسم “عمليات طارئة خارج حدود البلاد”، بدلاً من إدراجها ضمن خسائر حرب إيران.

كما أعاد البنتاغون إدخال 207 جرحى لم يكن قد أعلن عنهم سابقاً، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن التحديثات اللاحقة رفعت الحصيلة الإجمالية إلى 18 قتيلاً و624 جريحاً منذ بدء الحرب في 28 فبراير.

ويكشف هذا التعديل أن الإدارة الأمريكية لم تسعَ فقط إلى إعادة ترتيب الأرقام، بل إلى تفكيك الحرب على الورق وتحويلها إلى عمليات منفصلة، بما يسمح بتقليص الكلفة الظاهرة أمام الرأي العام والكونغرس.

ووصفت مجلة نيوزويك الطريقة الجديدة بأنها تقسيم متعمد للضحايا إلى فئتين: قتلى وجرحى المرحلة الممتدة بين فبراير ويونيو، وخسائر ما بعد 7 يوليو، وهو التاريخ الذي انهار فيه وقف إطلاق النار واستؤنفت الضربات الأمريكية ضد إيران.

ونقلت المجلة عن مسؤول سابق في البنتاغون قوله إن الإدارة “تلعب ألعاباً” عبر تقسيم أعداد الضحايا، في حين وصف النائب الجمهوري توماس ماسي التصنيف الجديد بأنه “حيلة عبثية”، متهماً وزارة الحرب بالتظاهر بوجود حربين منفصلتين على إيران، رغم أن الفصل بينهما لم يتجاوز وقفاً قصيراً وهشاً لإطلاق النار.

أما مجلة أتلانتيك فذهبت إلى وصف أشد، مؤكدة أن خفض الحصيلة من 18 إلى 14 لم يكن تصحيحاً حسابياً، بل “حيلة محاسبية” تهدف إلى إبعاد قتلى الحرب عن التصنيف الرسمي للعملية.

وأشارت المجلة إلى أن إدارة ترمب تحاول تقديم نفسها باعتبارها لا تخوض حرباً مفتوحة، رغم استمرار القتال وسقوط القتلى والجرحى وارتفاع كلفة العمليات.

وتعيد هذه القضية إلى الأذهان سجل الإدارات الأمريكية في إخفاء الخسائر البشرية للحروب، خصوصاً خلال الفترة بين 1991 و2009، حين مُنعت وسائل الإعلام من تصوير وصول جثامين العسكريين إلى قاعدة دوفر الجوية، في محاولة لإبعاد مشاهد الكلفة البشرية عن الجمهور الأمريكي.

ويرتبط التلاعب في تصنيف القتلى أيضاً بقانون صلاحيات الحرب لعام 1973، الذي يسمح للرئيس ببدء عمليات عسكرية، لكنه يفرض عليه إبلاغ الكونغرس وإنهاء النزاع خلال 60 يوماً ما لم يحصل على تفويض أو تمديد.

وبحسب أتلانتيك، اعتبرت إدارة ترمب أن الحرب انتهت بعد وقف إطلاق النار المؤقت، ثم تعاملت مع الجولة الجديدة باعتبارها نزاعاً منفصلاً، بما يسمح لها بإعادة تشغيل مهلة الستين يوماً وتأخير تدخل الكونغرس إلى سبتمبر.

ويعني ذلك أن الفصل بين القتلى والجرحى لا يخدم فقط صورة الإدارة أمام الرأي العام، بل يساعدها أيضاً على التحايل على القيود القانونية والرقابية المفروضة على استمرار الحرب.

كما حذرت تقارير أمريكية من أن إعادة التصنيف قد تمس حقوق العسكريين والناجين وعائلات القتلى، بما في ذلك الأوسمة والرعاية الطبية ومزايا الناجين والتعويضات الحكومية.

ونقلت واشنطن بوست عن جيس فينوكان، وهي عسكرية سابقة ومتحدثة باسم منظمة محاربي العراق وأفغانستان في أمريكا، تأكيدها أن القضية لا تتوقف عند حدود قاعدة البيانات، بل قد تترك آثاراً مباشرة على حقوق الجنود وعائلاتهم.

وشددت على أن الإدارة مطالبة بتحمل المسؤولية عن “الكلفة الكاملة للحرب”، لا إخفائها عبر إعادة تسمية العمليات أو توزيع الضحايا على خانات منفصلة.

ويأتي الجدل في وقت يضغط فيه وزير الحرب بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان دان كين على الكونغرس للحصول على تمويل إضافي، بعدما تجاوزت كلفة العمليات منذ بدء المواجهة مع إيران 37 مليار دولار.

وطلب هيغسيث من الكونغرس تمويلاً إضافياً قدره 67 مليار دولار لاستمرار الحرب، في وقت تواجه فيه الإدارة انتقادات متزايدة بسبب غياب استراتيجية واضحة للخروج، واستمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الوقود واتساع الكلفة العسكرية والاقتصادية.

ووجّه 12 سيناتوراً ديمقراطياً رسالة إلى هيغسيث بشأن طريقة تعامل الوزارة مع بيانات الضحايا، معتبرين أن التأخير والتناقض في إعلان الأرقام يعرقل رقابة الكونغرس ويمنع الجمهور من فهم الحجم الحقيقي للتضحيات التي يدفعها العسكريون الأمريكيون.

وتكشف هذه التطورات أن معركة الأرقام لم تعد مسألة إدارية، بل أصبحت جزءاً من صراع سياسي داخلي حول شرعية الحرب وكلفتها ومسؤولية الإدارة عن استمرارها.

كما تظهر الحسابات الانتخابية بوضوح في خلفية المشهد، خصوصاً بعد تمرير مجلس النواب قراراً يدعو إلى إنهاء الحرب، واعتماد مجلس الشيوخ إجراءً مشابهاً، في مؤشر على تصاعد الخشية داخل الحزب الجمهوري من تحول الحرب على إيران إلى عبء ثقيل في انتخابات التجديد النصفي.

spot_imgspot_img