سلطت صحيفة “واشنطن بوست” الضوء على التحول الكبير في ميزان القوة بالبحر الأحمر، مؤكدة أن صنعاء نجحت في بناء نموذج غير تقليدي للقوة البحرية يعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة والجغرافيا، بدلاً من الأساطيل الحربية التقليدية، بما منح اليمن قدرة متنامية على التأثير في حركة الملاحة والطاقة السعودية.
وبحسب الصحيفة، فإن الحصار البحري اليمني دفع ناقلات النفط السعودية إلى تغيير مساراتها، في وقت باتت فيه الموانئ والمنشآت البديلة التي تعتمد عليها الرياض، وفي مقدمتها ينبع، واقعة تحت ضغط العمليات والتهديدات اليمنية.
وأشارت إلى أن أهمية ينبع تتضاعف في ظل اضطراب مسارات الطاقة الإقليمية، إذ تعتمد السعودية على شبكة الأنابيب الممتدة إلى ساحل البحر الأحمر لتجاوز المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، ما يجعل الضغط على هذا المسار ورقة استراتيجية شديدة الحساسية بالنسبة للرياض.
وترى “واشنطن بوست” أن صنعاء تخوض المواجهة الحالية وهي تمتلك مجموعة أوراق ضغط قوية، مستفيدة من موقعها الجغرافي المشرف على باب المندب وقدرتها على تهديد خطوط الملاحة، في الوقت الذي تختبر فيه مدى استعداد السعودية لتقديم تنازلات تؤدي إلى رفع الحصار ومعالجة الملفات العالقة.
ونقلت الصحيفة عن الباحثة لي أبريل لونغلي ألي أن اليمنيين يدركون أنهم يمتلكون أوراقاً مؤثرة في مواجهة الرياض، وأن تحركاتهم الحالية تهدف إلى اختبار قدرة السعودية على تحمل الضغط أو الانتقال نحو تقديم تنازلات لكسر الحصار.
كما نقلت عن الباحث غريغوري جونسِن أن العلاقة بين صنعاء وإيران لا يمكن اختزالها في مفهوم “الوكالة”، مؤكداً أن اليمنيين شريك لإيران وليسوا مجرد وكلاء لها، في ظل امتلاكهم منظومات قيادة وإنتاج عسكري وقدرة مستقلة على اتخاذ القرار والتفاوض مع الرياض وواشنطن.
ويبرز التقرير أن القوة اليمنية لم تعد تقاس بعدد الصواريخ والمسيّرات فقط، بل باتت تستند إلى الجغرافيا باعتبارها سلاحاً استراتيجياً، إذ تمنح السيطرة على الممرات البحرية المحاذية لليمن قدرة على التأثير في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة دون الحاجة إلى امتلاك أسطول بحري ضخم.
وفي المقابل، أشارت الصحيفة إلى أن السعودية تحاول مواجهة هذه المعادلة عبر التحشيد العسكري البري والسعي إلى ترتيبات بحرية متعددة الجنسيات لحماية خطوط صادراتها النفطية، في مؤشر على حجم القلق الذي أحدثته القدرة اليمنية المتنامية في حسابات الرياض.
وتخلص “واشنطن بوست” إلى أن البحر الأحمر تحول من ساحة نفوذ تقليدية للقوى الكبرى إلى ورقة قوة مباشرة بيد صنعاء، وأن اليمن نجح في فرض باب المندب والبحر الأحمر كأولوية استراتيجية على السعودية والولايات المتحدة، بعدما أثبت أن السيطرة على الجغرافيا والقدرة على الضرب عن بُعد يمكن أن تعادلا، بل تتجاوز أحياناً، قوة الأساطيل البحرية التقليدية.
