في حسابات الحروب جرت مقوله البعض “أن الله مع صاحب المدفع الأكبر”، وعلى هذه القاعدة بدأت فصول المواجهة عندما قررت السعودية توجيه نيرانها نحو ميناء الحديدة ، لم يكن الهدف مجرد تدمير بنية تحتية أو تعطيل شريان حياة، بل كانت محاولة يائسة لكسر إرادة شعب يأبى إلا أن يكون حراً ومستقلاً، استهانت القيادة السعودية باليمن؛ استصغرت رجاله، وقللت من شأن قيادته، ظناً منها أن التفوق العسكري قادر على إخضاع أمة بأكملها في غضون أيام.
لكن التاريخ يروي فصولا صاغتها الغطرسة وانتهت إلى أسوأ الكوارث الاستراتيجية، وما لم تدركه الرياض في غمرة نشوتها، هو أن تلك الضربات على الحديدة لم تكن سوى الشرارة التي أيقظت بركاناً لم تتوقع انفجاره، وأن الاستهانة باليمنيين كانت الخطيئة الكبرى التي ستقلب الطاولة بما عليها.
لم يطَل الانتظار كثيراً، فجاء الرد اليمني مزلزلاً، متجاوزاً كل خطوط التوقعات، ليضع السعودية في حالة من الشلل الاستراتيجي. في عمليات نوعية ومدروسة، طالت الضربات عمق الأراضي السعودية، وبعد مطار “أبها” الإقليمي، جاء الدور على منشآت شركة “أرامكو” في جيزان وينبع، اندلعت نيران رصدتها أقمار ناسا من الفضاء، لتبقى صور ألسنة اللهب والدخان المتصاعد محفورة كشاهد حي على تحول مسار الردع.
وفي محاولة بائسة لتدارك الموقف وجمع المعلومات بعد العمى الاستخباراتي، لجأت السعودية إلى التجسس عبر تسيير طائرة مسيرة حديثة تركية الصنع من طراز “بيرقدار أقنجي”، غير أن سماء اليمن أثبتت أنها ليست مستباحة؛ حيث تمكنت الدفاعات الجوية من رصد كبرياء هذه التكنولوجيا وإسقاطها باحترافية عالية، لتتحطم معها أسطورة التفوق الجوي.
لم يتوقف الرد هنا، بل تصاعدت وتيرة العمليات اليمنية لتصل إلى العصب الاقتصادي الأهم، وجهت القوات اليمنية ضربة قاصمة وموجعة استهدفت مصافي النفط في “بقيق”. كانت تلك الضربة بمثابة زلزال اقتصادي وعسكري قلب الموازين، وجعل سماء المملكة تمطر بنيران الرد الذي لم تكن مستعدة له.
في النهاية، وجدت السعودية نفسها اليوم أمام واقع جديد ومخيف لم تخطط له في أروقة غرف عملياتها، وأمام العجز التام عن استيعاب حجم الردود المتتالية، تبددت غطرسة البدايات وتلاشت لغة التهديد والوعيد، وبدلاً من الرد العسكري الذي فقدت السيطرة عليه، لم يتبق للرياض سوى اللجوء إلى منابر الإعلام؛ تشجب، وتندد، وتطلق نداءات الاستغاثة، وباتت تدعو المجتمع الدولي وتستجديه لتشكيل تحالفات جديدة لإنقاذها من مأزقها.
وبين مواصلة الغطرسة والصمود الأسطوري تثبت الأحداث سقوط أصحاب نظرية “أن الله مع صاحب المدفع الأكبر”، وكرست الوقائع قانوناً استراتيجياً لا يحي: إن من يقامر باستفزاز إرادة الشعوب الأصيلة إنما يستدعي عواصف لا قبل له بها. فمعادلة الاقتدار الحقيقي لا تحسم بتكديس الترسانات، وإنما تنبع من عمق التجذر في الأرض وثبات الأقدام الراسخة عليها، ولليمن باع وذارع في إتقان هذه المعادلة ومعها معادلات الإستعانة بالله والتوكل عليه والوثوق به، فهو وحده مصدر النصر والتمكين، ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير.
