ذات صلة

الأكثر مشاهدة

من يثرب إلى صنعاء.. نهرٌ من الحنين (2)

ثمة سر وأسرار بين سيد الخلق والأنصار.. فوالذي نفس...

غزة تحت القصف والضفة تشتعل.. شهداء وجرحى واعتقال صيادين وإحراق مسجد قرب نابلس

شهدت الأراضي الفلسطينية، اليوم الثلاثاء، تصعيدًا إسرائيليًا واسعًا في...

من يثرب إلى صنعاء.. نهرٌ من الحنين (2)

ثمة سر وأسرار بين سيد الخلق والأنصار.. فوالذي نفس محمد بيده.. لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار..

وثمة في “أبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار” سرٌّ من الأسرار، كأنه لم يقف عند أنصار يومه، بل مدَّ يده إلى من سيأتون من بعدهم، جاوز الآباء إلى الأبناء، ثم جاوز الأبناء إلى أبناء الأبناء، كان يمدّ للأنصار عمرا أطول من أعمارهم، وعمراً أقدم مما تشي به حكاية الأسرار..

وللحكاية أسرار.. أن كان في يثرب أحبار، يحملون من كتبهم شذرات أخبار، يرتقبون نبياً آن أوانه، وأن مهاجره إلى هذه الدار، فأقاموا حول الموعد انتظار، واستبقوا في يثرب سراً يورثونه للصغار، وفي وطيس معاركهم يستفتحون بالنداء “يا محمد” يرجون باسمه انتصار، حتى مر تبع اليماني وطرق سمعه سر الأحبار، نبيٌ آن أوانه، ومدينة اختارها الله له مهاجراً واستقرار، فيستبقي اليماني أوساً وخزرجاً ويترك كتاباً في موضع سيعرف بعد أزمان بدار أبو أيوب الأنصاري، ثم يمضي الملك وتغيب ركابه وراء الغبار، ويبقى الوعد ساهرا أعمار وراء أعمار..

لكنَّ “لولا الهجرة لكان من الأنصار”.. فللحكاية أسرار أقدم من كل الأسرار، أسكن الخليل بعض ذريته بعيداً عن الأمصار، والأم هاجر تحمل رضيعها إلى وادي لا زرع فيه ولا قرار، ويدب الماء تحت أقدام الرضيع.. وأفئدة من جرهم اليمانية تهوي إليهم فيأتي الزرع والجوار، والرضيع يشُبّْ، وجرهم من الأصهار، وتمضي الأيام، أبو الأنبياء وابنه يرفعان القواعد من البيت ويرتفع الدعاء إلى رب الدار “وابعث فيهم رسولاً منهم”، ويجري الدعاء في نسل إسماعيل مستترا خلف الأستار.. واليمن لا ترى زمزم، ولا جرهم الأصهار..

وتدور القرون.. وكلها أسرار، هاشمٌ يعقد لقريش إيلافهم، ويجري رزق مكة إليها من وراء الأمصار، واليمن شتوية الضفتين وتعرف الطريق إلى الوادي الذي عرف جرهُم وعرف الماء، ثم يأتي عام الفيل، ويقبل أبرهة يريد البيت، وربُّ الدار يحرس الدار، ويردُّ الفيل، ويرسل أبابيله بحجارةٍ من سجيل، فينكسر العدوان وراء الأسوار.. ودعاء الخليل في الأصلاب يشق عام الفيل بفجر ونور المصطفى المختار.. وأهل مكة وقريش المشركين يتفاخرون بالله الجبار الذي نصرهم وحمى الدار.. ويشب المختار رسولاً فيهم ومنهم يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويتلوا عليهم طيور أبابيل وحجارة من سجيل، وإيلاف قريش إيلافهم، وقريش تقابله بالإنكار.. كفروا به، وبالتكذيب والاستهزاء والمقاطعة والحصار والمؤامرة والحروب فاعلون فاعلون بالتحالف مع الأعراب واليهود والمشركين والكفار، وحتى إبليس الرجيم حضر بزي شيخ نجد منبت قرن الشيطان لتمرير مؤامرة اغتيال الرسول الأعظم، وتضيق مكة وطرقها بالرسول إلا من طريق واحد.. وليهاجر ناجياً بدين الله ورحمته للعالمين إلى موطن وعاصمة القرار.. إلى يثرب متيمة العشق والانتظار..

ومن أفق ثنيات الوداع يتوَّهج بدراًً، وتدخل معه اللحظة التي انتظرها الأحبار، وحملها تُبَّع في الأخبار، واستودعها الأوس والخزرج في الدار، جئت شرفت المدينة.. ومرحبا يا خير داع.. وفي ذلكم فيضٌ من الأسرار..

أقبلت القصواء.. والأنصار يأخذون بخطامها شوقا أن ينزل رسول الله في دورهم.. ودعوها إنها مأمورة.. “مأمورة”.. وما أوسعها من كلمة تسافر إلى أزمنة غابرة وقرون دابرة وتأتي باليقين وما بعد اليقين، الناقة مأمورة، الطريق مأمور، الهجرة مأمورة، ويثرب مأمورة، والقلوب داخل الأضلع مأمورة، وجرهم الأصهار مأمورة، وحجارة من سجيل مأمورة، والأنصار بُعثوا من جذور اليمن إلى يثرب مأمورين.. تمضي رحال الملك، وهم على الموعد، أقاموا هناك القرون لأجله، توارثوا البيوت والطرقات، تعاقبت عليهم الأيام، غابت قوافل وأقبلت قوافل، والأحفاد يعقبهم أحفاد.. وبقيت البشارة مأمورة مستيقظة في المدينة لا تعرف النوم، تنتظر بدراً يطل اليوم من ثنيات الوداع.. وجب الشكر علينا ما دعا لله داع..

وللشكر أسرار.. أحبار يثرب بالخيانة والتحريف وطمس اسم وصفات أحمد العربي الذي كانوا يستفتحون به معاركهم للانتصار، وعندما أطل مصدقاً لما بين أيديهم، كفروا به، والأحسن حالاً كانوا منافقين، مسلم بالظاهر واليهودي في داخله، فباءوا بغضب على غضب..

والقصواء تكمل المسار والاختيار عند دار أبي أيوب الأنصاري، المكان الذي حمل الكتاب والعهد القديم بالانتصار، والمدينة موطن وقلعة الإسلام في مواجهة الطغاة والكفار.. ومن أفئدة يمنية هوت إلى ماء زمزم، إلى وفود تهوي من همدان وحضرموت وتهامة إلى المدينة تعلن ولائها للسيد المختار.. والإيمان يمان.. ويا لعظمة الافتخار.. والحكمة يمانية.. ويا لروعة الأسرار.. كأن بين الأطهار واليمن نهرٌ خفي ينبع مرة من جبال اليمن وسهولها إلى المدينة والبيت العتيق، ثم يعود من مكة والمدينة ليسقي اليمن.. فتزهر الأرض بالإيمان والحكمة..

وللحكمة أسرار.. من أبو الأنبياء إلى خاتمهم الأعظم.. مدنٌ هُدِمت وقرى تنام وأخرى تقوم.. والعهد يرحل في الذراري.. من هاجر وإسماعيل وجرهم الأصهار إلى الأوس والخزرج وتبع الأنصار.. والعهد لأبنائهم وأبناء أبنائهم ما زال يسافر في الأصلاب، وأعمار يعقبها أعمار.. وما زال رسول الله يصنع من اليمنيين أنصارا جدد، لم يراهم بعينه ولم يروه، وضع رهاناً لا يجرؤ أحد ترف المجازفة فيه.. خلا الأنبياء والمعجزات وما لا نعرفه من أسرار..

قرون غابرة ودابرة وزمزم مأموراً يدب تحت أقدام الرضيع وحتى اليوم لا يجف.. أربعة عشر قرناً ونهر الأنصار مأموراً لا ينضب.. تدفقت المدن تجري بأبنائها وجبال تسكب أنسالها.. وساحات العهد تشرب وتشرب حتى تفيض.. ويكتشف الناظر بحراً كله من قطرات الأنصار.. ولكل قطرة منه حكاية لا تلتقطها العدسات..

ولا يحتاج المشهد إلى أن يزعم أن الزمن عاد، فالزمن لا يعود، والتاريخ يملأ المكتبات ولا يملأ الشوارع، لكنه الحب من يجعل الماضي حاضراً يمشي على قدمين وكرسي.. العهد الذي يجبره على مد يده إلى عصا الطاعنين المسنين.. ويجبر طفلاً لا يعرف من أربعة عشر قرناً إلا رقماً يعجز خياله عن تصوره، لكنه يتقن الغوص إلى أعماق اسم محمد.. وترى أُمَّا تضم صغيرها في جموع لا تعرف أكثر وجوهها، لكنها تشعر أنها جاءت إلى الموعد العظيم بلا بطائق تعريف ودعوات دخول..

هناك أنصارٌ استقبلوا الجد، وهنا حفيد يقف بين أنصار الشوق، السيد القائد عبدالملك، وبين يديه مدينةٌ كأنها تستعير ليومها قلب يثرب، وكأن ثنيات الوداع صافحت ثنايا الجبال، وما بين الثنيات والثنايا إلا زمن هزمه الحنين.. وما بين الأنصار والأنصار إلا أجيال تبدلت وجوهها ولم يتبدل هواها، فالبدر إذا سكن القلب بات نبضه جاهلياً بمعاني الغروب..

ويمضي العهد في قراءة الحفيد القائد من ذكرى تحتفى إلى ميزان للحاضر، فيغدو ربيع الأول عنده موسماً لترسيخ الهوية الإيمانية، وتجديد صلة المحبة بالعدل والكرامة والاستقلال ونصرة المظلوم، بإرادة تفيض بها الساحات وتمتد إلى فلسطين ولبنان وإيران والعراق لمواجهة كل أشكال التبعية لقوى الشر الظلامية المفسدة في الأرض، والتي يقودها اليهود وتحمل رايتها في عصرنا وزماننا الحركة الصهيونية وأتباعها في الغرب، واضعاً بنود صدق الانتماء، وبوجه حصار وعدوان اثني عشر عاما من قرن الشيطان يستدعي السيف الذي نصر جده رسول الله، سيف الأنصار، وكأنه سيفٌ أودعه الرؤوف الرحيم كلما أراد تأديب الأشقياء، وكلمة سر المرحلة دعوته لهم إلى الاستعانة بالله والتوكل عليه وتكثيف جهودهم حتى يستعيد حقوقه المشروعة ويدفع عن نفسه ظلم مملكة قرن الشيطان.. وكأن التاريخ يعيد كتابة المعادلات ولا يكتفي بروايتها، فما بعد عام الفيل ليس كما قبله.. وما قبل استعانة رسول الله بأنصاره ليس كما بعده.. وما بعد استعانة الحفيد بسيف الأنصار ليس كما قبله..

ووراء كل ما يقوله الحاضر، بقي ما لا يقوله إلا الحنين، فالحاضر يستطيع أن يستدرك معنى النصرة، لكنه لا يستطيع أن يسترد لحظة اللقاء.. يستطيع الأحفاد أن يحملوا من العهد ما حمله الأجداد، وأن يجيبوا زمانهم بأرقى أشكال الوفاء، لكن لا موقف يردُّ إليهم تلك اللحظة التي انفتحت فيها يثرب على وجهه، ولا يعيد إلى الطريق غبار القصواء..

فاتهم أن يقفوا على طريق يثرب يوم أقبلت القصواء.. فاتهم أن يزاحموا الأنصار على خطامها.. فاتهم أن يفتحوا أبواب بيوتهم ويقولوا “إلينا يا رسول الله”.. لكن أربعة عشر قرناً عجزت عن منعهم من الوصول متأخرين إلى الموعد.. فإذا ذكر اسمه والصلاة عليه ذاب الزمان وانطوت المسافة وغدا الماضي قريباً حتى تكاد تسمع في هدير الجموع وقع أقدام الأنصار عندما خرجت تستقبله.. وترى الأحفاد يملكون ذات القلب ويعرفون ذات الحب الذي تَملَّك أنصاريٌ رحل منذ مئات السنين.. ويغدو الطفل والأم والشيخ إلى بيوتهم وفي صدروهم يثرب التي لم يروها..

وسيعبر نهر الحنين قروناً أخرى.. من الأحفاد إلى أحفاد الأحفاد.. سيظل يدب ويدب ويدب حتى تنتهي كل الطرق وتنطفئ كل المدن.. إلى أن يبلغ مصباً أبعد من صنعاء وأبعد من يثرب ومكة وكل الجهات.. هناك، عند الحوض المورود، سيكون المصب واللقاء الأعظم في الوجود.. ستُروى القلوب من نبعته الشريفة، وتُسقى الأبدان من يديه.. ويطفأ ظمأ أرواحٍ ظل هذا النهر يسري فيها منذ دب تحت قدمي الرضيع وما زال يسري إلى آخر حفيد من الأنصار.. وما شاء الله كان ويكون وسيكون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحرر السياسي
المشهد اليمني الأول

spot_imgspot_img