ذات صلة

الأكثر مشاهدة

“شواظ” تضرب تحشيدات وآليات تابعة للسعودية في مأرب.. مشاهد توثق هجمات انقضاضية مباشرة

وزّع الإعلام الحربي اليمني، اليوم الخميس، مشاهد نوعية توثق...

واشنطن بلا كوابح.. فتات الخيانة يسلم مفاتيح قلعة كاراكاس

في ربع ساعة فقط، لا أكثر، انطفأ قصر الرئاسة كما تنطفئ شمعة في مهب الريح، وسقط نيكولاس مادورو من رأس الدولة إلى خبر عاجل في نشرات واشنطن. ما جرى لم يكن اقتحامًا عسكريًا تقليديًا، بل عملية جراحية باردة، دقيقة، تعرف طريقها قبل أن تُفتح الأبواب.

دلتا فورس هبطت في قلب العاصمة، لا ضجيج، لا مقاومة تُذكر، لا ثمانية ملايين لجنة شعبية، ولا حرس جمهوري، ولا سماء تحمي الأرض. السؤال لم يعد كيف دخلوا، بل من فتح لهم الباب.

الجواب كما يهمس به الظل: عميل من الدائرة الضيقة، باع الموقع مقابل فتات من مكافأة الخمسين مليون دولار، فالدول لا تُهزم حين تُحاصر، بل حين تُباع من الداخل.

غياب الدفاعات الجوية لم يكن صدفة، واختفاء الحرس الرئاسي لم يكن سهوًا. إما تشويش محكم عطّل العيون والآذان، أو اتفاق صامت على الاستلام والتسليم. في الحالتين، السيادة كانت آخر من علم.

بعد السقوط، خرج ترامب بلهجة المنتصر لا بصفة الوسيط. فنزويلا ستُدار انتقاليًا من واشنطن، ومفاتيح الحكم في يد مارك روبيو ووزارة الدفاع. حتى المعارضة التي صفقت في الشوارع، أُقصيت بعبارة واحدة: لا تصلح للحكم، لا احترام لها، ولا وزن حقيقي في الداخل. هكذا تُكافئ الإمبراطورية من يخدمها: بالتصفيق لا بالسلطة.

النفط هو العنوان الحقيقي، وما عداه هو ديكور سياسي

ثلاثمئة مليار برميل ليست رقمًا اقتصاديًا، بل سلاح جيوسياسي. السيطرة على نفط فنزويلا تعني إعادة هندسة سوق الطاقة، وكسر عصب أوبك+، وإضعاف موسكو والرياض في لعبة الأسعار. إنها حرب بلا دبابات، تُدار بالمضخات والعقود والشركات.

والأخطر أن ما حدث لا يمكن فصله عن تهوّر واشنطن في عهد ترامب؛ نفس العقل الذي يلوّح بابتلاع “جرينلاند” كأنها عقارٌ معروض، وهو ذاته الذي يندفع نحو التصعيد ضد إيران بمنطق المقامرة، ثم لا يكتفي بخصومه، بل يمدّ يده إلى جيوب حلفائه أيضًا عبر رفع الرسوم والزيادات الجمركية على كندا وكوريا الجنوبية وتحطيم الإتحاد الأوروبي وابتزازه.

إنها سياسة واحدة بوجوه متعددة: شهية توسّع، وابتزاز اقتصادي، واندفاع عسكري، واعتقاد بأن العالم يُدار بصفقات سريعة تُوقَّع تحت فوهة التهديد.

والرسائل لم تكن موجهة لكراكاس وحدها.

كوبا طُلب منها أن تقلق، كولومبيا أن تتحسّب، إيران أن تفهم. من يخرج عن الطاعة، يرى المشهد مُعادًا أمامه مع اختلاف الأسماء.

أما الحلفاء الكبار، فلم يبقوا عند حدود القلق هذه المرة، لأن ما جرى في كراكاس لم يعد “تفصيلًا إقليميًا”، بل إنذارًا عالميًا بأن شهية واشنطن لم تعد تميّز بين خصمٍ وحليف. روسيا تحرّكت بمنطق الردع السياسي لا الشكوى، تُلوّح بأن زمن اصطياد الدول فرادى يقترب من نهايته، والصين قرأت المشهد كتهديد مباشر لنظام التجارة والطاقة، فدفعت باتجاه تكتّلٍ عملي يحاصر الانقلاب قبل أن يتحول إلى “نموذج قابل للتصدير”.

وفي أوروبا، بدأت الشقوق تظهر داخل جدار الصمت؛ إسبانيا ــ عضو الاتحاد الأوروبي ــ تُراجع حساباتها وتُدير ظهرها لتهوّر ترامب، كما فعلت كندا حين رفضت الابتزاز وكسرت قاعدة “الطاعة مقابل الحماية”، لتتحول الرسالة من “قلقٍ دبلوماسي” إلى تمردٍ متدرّج على منطق الهيمنة. أما الأمم المتحدة، فستبقى ساحة تنازع لا أداة إنقاذ، لكن المعركة الحقيقية لا تُحسم في البيانات بل في توازن الإرادات: حين تتقاطع مصالح موسكو وبكين ومدريد وأوتاوا مع غضب شعوب الجنوب، يصبح للبلدان المستهدفة هامش مقاومة لا يشتريه الدولار ولا يلغيه الإعلام.

هذه ليست قصة اعتقال رئيس، بل لحظة اختبار للعالم: هل يُترك مصير الدول على طاولة مقامر في واشنطن، أم يُصاغ خط دفاع دولي يُعيد تعريف “السيادة” كحق لا كمنحة؟ والدرس الأهم أن القلاع لا تُقتحم من الخارج فقط؛ لكنها أيضًا تُستعاد من الداخل عندما ينهض الوعي الوطني، وتُغلق الأبواب في وجه الرشوة والخيانة، وتتحول الدولة من “خبر عابر” إلى قضية مقاومة.. حينها، لا يسجل التاريخ الهزيمة، بل يسجل بداية الانقلاب على أطماع أمريكا.

spot_imgspot_img