يتواصل التصعيد الصهيوني في الضفة الغربية والقدس المحتلة على مسارين متوازيين: استهداف المقدسات الإسلامية وخنق المنصات الإعلامية المقدسية، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض واقع ميداني جديد بالقوة، وتوسيع مشروع الضم الزاحف تحت حماية حكومة الاحتلال.
ففي جريمة جديدة تمسّ حرمة المساجد، أدانت وزارة الأوقاف الفلسطينية إقدام مستوطنين على إحراق أجزاء من مسجد أبي بكر الصديق في بلدة تل غرب نابلس فجر اليوم السادس من رمضان، بعد تسلل عناصر من عصابات ما يسمى “تدفيع الثمن” وإضرام النار في مدخل المسجد وكتابة شعارات عنصرية على جدرانه. واعتبرت الوزارة أن هذه الجريمة ليست حادثة معزولة، بل امتداد مباشر لموجة تحريض وعنصرية متصاعدة طالت 45 مسجدًا خلال عام 2025.
وجاء الاعتداء على المسجد متزامنًا مع هجمات استيطانية أخرى في الضفة، شملت الاعتداء على مزارعين في الخليل وقطع 20 شجرة زيتون معمّرة في رام الله، في مشهد يؤكد أن المستوطنين يتحركون ضمن خطة ضغط مركبة تستهدف الإنسان والأرض والمقدسات معًا، بهدف ترهيب الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل القسري عن أراضيهم.
وفي موازاة العدوان الميداني، صعّد الاحتلال حربه على الرواية الفلسطينية، حيث أعلن وزير أمن الاحتلال يسرائيل كاتس قرارًا بحظر 5 منصات إعلامية مقدسية وتصنيفها كـ“منظمات إرهابية”، وهي: شبكة العاصمة، معراج، البوصلة، ميدان القدس، وقدس بلس، بذريعة “التحريض”. ويكشف هذا القرار بوضوح أن الاحتلال لا يستهدف فقط الأرض، بل يسعى أيضًا إلى إسكات الصوت المقدسي ومنع نقل حقيقة ما يجري في المدينة المحتلة، خصوصًا ما يتعلق بالمسجد الأقصى والانتهاكات اليومية داخله ومحيطه.
وفي أول ردّ على القرار، أعلنت شبكة العاصمة تعليق نشاطها مؤقتًا حفاظًا على سلامة طواقمها في ظل تغوّل الاحتلال، بينما شددت فعاليات وطنية مقدسية على أن هذا الحظر يندرج ضمن مشروع أوسع يرمي إلى عزل القدس إعلاميًا، وقطع صلتها بالعالم، تمهيدًا لتمرير مخططات التهويد وتغيير الوضع القائم في المدينة.
وتأتي هذه التطورات في ظل حصيلة دموية متصاعدة في الضفة الغربية، حيث تشير الإحصائيات إلى استشهاد 1117 فلسطينيًا منذ أكتوبر 2023 برصاص جيش الاحتلال والمستوطنين، وسط تحذيرات متزايدة من أن هذا المستوى من العنف المنظم، بالتوازي مع الغطاء الحكومي للمستوطنين، يمهّد عمليًا لإعلان ضم رسمي للضفة الغربية ونسف ما تبقى من أي مسار سياسي يتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية.
كما حذرت تقارير حقوقية وهيئات دولية من أن ما يجري يعكس إفلاتًا كاملًا للمستوطنين من العقاب، بل وتسهيلات مباشرة من حكومة الاحتلال، وهو ما يحوّل الاعتداءات اليومية إلى أداة تنفيذية لمخطط استيطاني طويل المدى. وبحسب هذه التقارير، فإن استهداف الإعلام المقدسي وإحراق المساجد والاعتداء على المزارعين وقطع الأشجار ليست أحداثًا منفصلة، بل حلقات في مشروع واحد عنوانه: إخراس الشهود، كسر إرادة الصمود، وتسريع الضم الزاحف.
في المحصلة، يكشف المشهد في القدس والضفة أن الاحتلال يدير حربًا شاملة على الوجود الفلسطيني: نارٌ على المساجد، واعتداءٌ على الأرض، وقمعٌ للإعلام، ومحاولة دؤوبة لإعادة تشكيل الواقع بالقوة، بينما يبقى الفلسطينيون في قلب المواجهة، يدفعون ثمن التمسك بحقهم في الأرض والمقدسات والهوية.
