مع دخول العدوان الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران منعطفًا جديدًا، تكشف حصيلة الساعات الأخيرة عن انتقالٍ واضح من مرحلة “الاختبار” إلى مرحلة رفع الإيقاع المنظم، حيث أعلنت طهران توالي موجات الضربات المركبة بالصواريخ والمسيّرات على قلب الأراضي المحتلة وعلى قواعد الوجود الأمريكي في المنطقة، بالتزامن مع تشديد قبضتها على مضيق هرمز وتصاعد ارتدادات الحرب سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا عبر أكثر من ساحة.
أول ملامح هذا التحول تمثل في إعلان حرس الثورة الإسلامية انطلاق الموجة 19 “مركبة من الصواريخ والطائرات المسيّرة” لاستهداف مواقع العدو الصهيوني في عمق فلسطين المحتلة وقواعد الأمريكيين في الإقليم، قبل أن تتبعها لاحقًا إفادة عن الموجة 20 بإجراءات “تركيبية ومتنوعة واسعة النطاق” ضد أهداف أمريكية وصهيونية.
وبين الموجتين، برزت رسائل عملياتية عالية السقف، أبرزها إعلان الحرس الثوري أن ضربة الموجة 19 شملت مطار بن غوريون و”القاعدة الجوية 27” داخله بصواريخ خرمشهر-4، مع التأكيد على إطلاق صاروخ برأس حربي بزنة طن، والقول إن الصواريخ اخترقت “سبع طبقات” للدفاع الجوي وأحدثت “جحيمًا” في مناطق الاستهداف، في وقت تحدث فيه إعلام العدو عن تعطل حركة الملاحة الجوية في بن غوريون جراء القصف.
في المقابل، لم تتوقف غارات العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على الداخل الإيراني، وسط تقارير عن شهداء وأكثر من 30 جريحًا من المدنيين في قصف استهدف غرب طهران صباحًا، وتأكيدات إيرانية على تضرر 11 مستشفى ومراكز طوارئ وسيارات إسعاف منذ بدء الحرب، مع استشهاد وإصابة كوادر صحية. كما أُشير إلى استهداف مدرستين جنوب غرب طهران، ما يعيد إلى الواجهة الطابع الإجرامي للعدوان حين يطاول منشآت مدنية وأهدافًا خارج أي ضرورة عسكرية.
وفي البحر، أخذت المعركة منحى أشد حساسية. فقد أعلن حرس الثورة أن قواته البحرية أصابت ناقلة نفط أمريكية في شمال الخليج وأنها “تحترق”، مع تأكيد أن إيران سترصد وتستهدف أي سفينة تحاول العبور بشكل غير قانوني من مضيق هرمز، وصدرت تصريحات تُقدَّم بوصفها مرجعية “قانون حرب” تعتبر أن المرور من مضيق هرمز يخضع لسيطرة إيران زمن الحرب وأن السفن التابعة للولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي وبعض الدول الأوروبية وحلفائها لن يُسمح لها بالمرور. هذه الرسائل لا تنحصر في الردع البحري فحسب، بل تضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار مباشر: الطاقة والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد.
وعلى خط القواعد الأمريكية في الخليج، عادت إشارات الانفجارات والتحذيرات إلى الواجهة: دوي انفجارات في الدوحة وفق مصادر إعلامية، وتفعيل صفارات الإنذار في البحرين جراء تجدد الهجوم الإيراني على القواعد والمواقع العسكرية الأمريكية، إلى جانب تقارير عن انفجارات في عدة مدن بالإمارات بينها رأس الخيمة (وفق رويترز)، وإفادة التلفزيون الإيراني عن استهداف مقر القوات العسكرية الأمريكية في مطار زايد بأبو ظبي. وبذلك تتكرس معادلة تقول إن “الجبهة الخلفية” لحلفاء واشنطن لم تعد خلفية، بل صارت جزءًا من مسرح النار، وهو ما يفسر اتساع القلق في العواصم الخليجية مع كل موجة جديدة.
أما على جبهة لبنان، فقد تواصلت الغارات الصهيونية جنوبًا وبقاعًا وضاحيةً، مع تقارير عن قصف بالفوسفور المحرم دوليًا على أطراف يحمر الشقيف، وسلسلة استهدافات طالت بلدات متعددة، في مقابل استمرار فعل المقاومة: من صليات صاروخية نحو إصبع الجليل إلى استهداف مواقع عسكرية، وصولًا إلى إعلان حزب الله استهداف مجمع الصناعات العسكرية (رفائيل) جنوب عكا بصلية صاروخية، واستهداف ثكنة يعرا بمسيّرات انقضاضية، في مشهد يتجه أكثر نحو تزامن الجبهات وإشغال العدو على أكثر من محور.
وفي الداخل الأمريكي والغربي، بدأت ارتدادات الاستنزاف تظهر بوضوح في السياسة. فقد حذر بيرني ساندرز من أن واشنطن قدمت للبنتاغون تريليون دولار ثم طُلبت زيادات إضافية، والآن يراد المزيد لحرب بدأت دون موافقة الكونغرس، بينما نقلت تصريحات إيرانية — على لسان قاليباف — أن نقص مخزونات أنظمة الدفاع أجبر الأمريكيين على ترتيب الأولويات وفق استراتيجية “إسرائيل أولاً”، محذرًا من أن ترك مصالح الولايات المتحدة وجنودها بلا دفاع لن تقتصر عواقبه على الشرق الأوسط فقط.
دوليًا، أخذ خط الوساطة والتشقق السياسي يتقدم. الصين أعلنت انخراطًا “مكثفًا” في جهود الوساطة، وأنها سترسل الدبلوماسي تشاي جون إلى الشرق الأوسط قريبًا لـ”تهدئة التوتر”. وروسيا، عبر لافروف، اعتبرت الصراع تهديدًا للاستقرار والاقتصاد العالميين، وتحدثت عن نقاش داخل الولايات المتحدة حول الأهداف الحقيقية للعملية، مشيرًا إلى أن من أهداف العدوان كان زرع التفرقة بين دول الشرق الأوسط وأن هناك مساعٍ لجر الناتو إلى المواجهة. كما شددت موسكو رسميًا على أن الولايات المتحدة و”إسرائيل” تعمدتا استفزاز إيران لجر العرب إلى حرب تخدم مصالحهما، مع التحذير من غياب مؤشرات على “حكمة أمريكية” توقف العدوان.
في السياق ذاته، أكدت طهران — عبر عراقجي — أنها لم تطلب وقف إطلاق النار وترفض أي مفاوضات مع واشنطن، معتبرة أن الهجوم وقع “في خضم المفاوضات” ونسف الثقة بأي مسار تفاوضي لاحق، بينما أعلنت الخارجية الإيرانية أن مجلس القيادة المؤقت مستمر في إدارة شؤون البلاد حتى تعيين مرشد جديد، وأن إيران تمارس “أقصى درجات الحذر” عند استهداف القواعد الأمريكية لتجنب أضرار المدنيين، في محاولة لإظهار الفصل بين ضرب “العدوان” وبين تجنب الانزلاق إلى استهداف الشعوب.
بهذه الصورة، لا تبدو الحرب متجهة إلى “كسر سريع” كما أُريد لها، بل إلى معادلة تصاعدٍ تراكمي: موجات صاروخية ومسيرات مركبة تعطل مطارات وتضغط على الدفاعات، اشتباك بحري يهدد شريان الطاقة العالمي، قواعد أمريكية تُستهدف على امتداد الخليج، وتزامن ناري متزايد بين إيران ومحور المقاومة يوسّع نطاق الاستنزاف. وفي المقابل، تواصل واشنطن وتل أبيب القصف داخل إيران، لكنهما تفتحان — مع كل يوم — على نفسيهما أسئلة أكبر من “الضربة”: إلى أي مدى يمكن استمرار حرب تُحاصرها الكلفة وتفضحها الوقائع وتوسّعها الجبهات؟
