في تطور عسكري بالغ الخطورة، تكشف المعطيات المتداولة أن الولايات المتحدة تلقت واحدة من أكثر الضربات إحراجاً وإيلاماً منذ بدء المواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بعدما خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريح صادم أقرّ فيه، وفق ما نُقل عنه خلال مشاركته في منتدى استثماري سعودي في ميامي، بأن “إيران هاجمت أكبر حاملة طائرات في العالم من 17 اتجاهًا، وهربنا لإنقاذ حياتنا، وكان الأمر قد انتهى”، في اعتراف مدوٍّ ينسف رواية القوة الأمريكية المطلقة، ويحوّل ما حاولت واشنطن التستر عليه إلى مشهد هزيمة عسكرية ومعنوية فاضحة.
ويأتي هذا التصريح في وقت سبق أن حاولت فيه وزارة الدفاع الأمريكية تمرير رواية مخففة بشأن تعطل حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس جيرالد فورد”، عبر الحديث عن “حريق في غرفة الغسيل”، غير أن السياق المتسارع للأحداث، وما رافقه من حديث عن نجاح العملية الإيرانية ضد الحاملة، يكشف أن المنظومة الأمريكية لم تعد قادرة على إخفاء آثار الضربات الإيرانية أو احتواء تداعياتها الإعلامية والسياسية، خصوصاً مع تصاعد الاعترافات المتلاحقة بالخسائر والأضرار في أكثر من موقع أمريكي حساس في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، أكدت القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية أن مقاتلة أمريكية من طراز F-16 نفذت هبوطاً قاسياً في قاعدة جوية داخل المملكة العربية السعودية، وهو تطور يزيد من حجم الارتباك الذي يلف الأداء الجوي الأمريكي، لا سيما مع التداول السابق لمعلومات تفيد بأن الطائرة أُصيبت أو أُسقطت بفعل وسائل الدفاع الجوي الإيرانية. ويعكس هذا المشهد أن السماء التي اعتادت واشنطن اعتبارها مجالاً مضموناً لتفوقها لم تعد بمنأى عن الاختراق أو الإرباك أو الخسارة.
غير أن الضربة الأشد دلالة تمثلت في الهجوم الإيراني على قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وهي إحدى أبرز القواعد الأمريكية المحصنة في الخليج، والتي تستخدمها القوات الجوية الأمريكية ضمن هيكل الانتشار الجوي والعملياتي في المنطقة. وبحسب ما أوردته صحف ومؤسسات إعلامية أمريكية، فإن الهجوم نُفذ بواسطة صاروخ بالستي واحد على الأقل وعدد من الطائرات المسيّرة، واستهدف مبنى داخل القاعدة كان يوجد فيه عسكريون أمريكيون، ما أدى إلى إصابة نحو 10 إلى 12 جندياً أمريكياً، بينهم إصابتان خطرتان، إلى جانب أضرار مباشرة بطائرات التزود بالوقود التابعة لسلاح الجو الأمريكي.
ولا تكمن خطورة هذه الضربة في عدد الإصابات فقط، بل في طبيعة الأهداف التي طالتها؛ إذ إن طائرات التزود بالوقود تمثل جزءاً بالغ الحساسية من البنية الجوية اللوجستية الأمريكية، وتعطيلها يعني إرباكاً مباشراً لعمليات الإسناد الجوي والانتشار القتالي في مسرح الخليج وما حوله. وبذلك، فإن الضربة الإيرانية لم تكن استهدافاً رمزياً لقاعدة أمريكية، بل عملية محسوبة أصابت مفاصل التشغيل والإمداد والقيادة في واحدة من أهم القواعد الأمريكية في المنطقة.
كما أن الضربة فتحت الباب واسعاً أمام أسئلة محرجة داخل المعسكر الأمريكي نفسه بشأن فاعلية منظومات الدفاع الجوي المنتشرة في الخليج. فقد أوضحت شبكة CBS News أن الهجوم سلّط الضوء على نقص صواريخ الاعتراض الأمريكية، وعلى تنامي المخاوف لدى الحلفاء الإقليميين من تراجع خطير في المخزون الدفاعي إلى درجة الاضطرار للاختيار بين أهداف يمكن اعتراضها وأخرى لا يمكن التعامل معها. وهذا يعني أن المظلة الدفاعية الأمريكية، التي جرى تسويقها لعقود باعتبارها ضمانة لأمن القواعد والحلفاء، بدأت تتآكل تحت ضغط الضربات الإيرانية المركبة.
وفي السياق نفسه، وصفت نيويورك تايمز الهجوم الإيراني المشترك بالصواريخ والطائرات المسيّرة على قاعدة الأمير سلطان بأنه أحد أخطر الاختراقات لمنظومات الدفاع الجوي الأمريكية، بينما أكدت واشنطن بوست أن الضربة ألحقت أضراراً بما لا يقل عن طائرتين أمريكيتين للتزود بالوقود، وأظهرت أن إيران، بعد أربعة أسابيع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، ما زالت تحتفظ بترسانة قوية وفعالة وقادرة على تنفيذ ضربات دقيقة في أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط. وبمعنى أوضح، فإن الحرب لم تُنهك إيران كما راهنت واشنطن، بل كشفت حدود القدرة الأمريكية على الحماية والردع والاستمرار.
ويزداد المشهد خطورة مع ما نقلته وول ستريت جورنال عن تضرر طائرة الإنذار المبكر الأمريكية “E-3 Sentry” في الهجوم ذاته على قاعدة الأمير سلطان، وهي من أهم أصول القيادة الجوية الأمريكية، إذ تؤدي دوراً مركزياً في إدارة المعركة، والرصد البعيد، وتنسيق العمليات، وتتبع الأهداف على مسافات واسعة. واستهداف هذه الطائرة أو إصابتها يعني أن الضربة الإيرانية لم تطل فقط العنصر البشري والطائرات المساندة، بل اقتربت من قلب منظومة القيادة والسيطرة الأمريكية نفسها.
كما أشارت المعطيات نفسها إلى أن الأسابيع الأربعة الماضية شهدت مقتل 13 جندياً أمريكياً وإصابة 303 آخرين، في مؤشر واضح على أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بات يدفع كلفة بشرية متصاعدة بفعل اتساع نطاق النار الإيرانية ونيران محور المقاومة. وهذه الأرقام، عند وضعها إلى جانب ضربة الأمير سلطان، تُظهر أن واشنطن لم تعد تواجه مجرد مضايقات عسكرية متفرقة، بل مسار استنزاف منظم يضرب القواعد والأفراد والعتاد ومنظومات الإسناد في آن واحد.
وبذلك، فإن صورة المشهد العسكري الراهن تتلخص في حقيقة واحدة: العمق العملياتي الأمريكي في الخليج لم يعد آمناً كما كان يُصوَّر، وحاملة الطائرات التي يفترض أنها رمز الهيبة الأمريكية تعرضت لهجوم أربكها وأجبرها على التراجع، فيما القواعد الجوية المحصنة لم تعد بمنأى عن الضربات، والطائرات الحساسة من F-16 إلى طائرات التزود بالوقود وE-3 Sentry باتت تدخل دائرة الخطر المباشر. وهذا كله يؤكد أن إيران لم تفقد زمام المبادرة، بل نجحت في نقل المعركة إلى مستوى يضرب هيبة الردع الأمريكي ويهز ثقة الحلفاء بالمظلة التي احتموا بها لعقود.
