في مشهد يختزل حقيقة العلاقة بين واشنطن والنظام السعودي، فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة غضب واسعة بعد إطلاقه تصريحات مهينة ومتعالية بحق السعودية وولي عهدها محمد بن سلمان، كاشفاً بلغة فجة ومباشرة أن الرياض لا تُعامل في الحسابات الأمريكية إلا بوصفها أداة طيّعة ومصدراً مفتوحاً للمال والدعم السياسي في خدمة المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة.
وجاءت تصريحات ترامب في ختام مؤتمر سعودي عُقد في مدينة ميامي الأمريكية تحت مسمى “مبادرة مستقبل الاستثمار”، بحضور السفيرة السعودية في واشنطن الأميرة ريما بنت بندر، ووزير المالية محمد الجدعان، وياسر الرميان مدير صندوق الاستثمارات السعودي الذي تقدر أصوله بنحو تريليون دولار. وفي هذا المحفل الذي أرادت له الرياض أن يكون واجهة نفوذ اقتصادي ودبلوماسي، تحوّل المشهد إلى منصة إذلال علني للنظام السعودي، بعدما تعمد ترامب السخرية من محمد بن سلمان، قائلاً بعبارات مهينة إن “الملك المستقبلي للسعودية لم يكن يعتقد أنه سيحتاج إلى التودد لي، لكنه الآن يفعل ذلك”، مضيفاً أن عليه أن يكون “لطيفاً معه إلى الأبد”.
هذا الخطاب لم يكن زلة لسان عابرة، بل جاء امتداداً لسلسلة طويلة من التصريحات التي أطلقها ترامب سابقاً بحق السعودية، حين قال بوضوح إن السعودية لا تستطيع الصمود أسبوعاً واحداً من دون الحماية الأمريكية، وإن بقاءها مرهون بالمظلة العسكرية والسياسية التي توفرها واشنطن. ولهذا فإن ما قاله في ميامي لا يمكن عزله عن جوهر النظرة الأمريكية إلى أنظمة الخليج، وفي مقدمتها الرياض، بوصفها أنظمة تابعة، ضعيفة، قابلة للابتزاز، ومُلزمة دائماً بدفع الأثمان مقابل الحماية والرضا الأمريكي.
والأخطر من الإهانة الشخصية أن ترامب ربط حديثه بشكل مباشر بما وصفه بـ “تغيير الشرق الأوسط”، وهي العبارة التي يكررها في ذروة الهجمة الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة. فالرجل لم يتحدث عن أي مشروع استقرار أو تسوية أو توازن، بل تحدث بوضوح عن شرق أوسط جديد يجري إعادة تشكيله لصالح العدو الإسرائيلي، مستعيداً الحديث عن اتفاقيات أبراهام، ومؤكداً أن السعودية ما تزال مدعوة للانضمام إليها، وأن الوقت قد حان لتسريع إدخالها رسمياً في مسار التطبيع الكامل.
وفي هذا السياق، بدا واضحاً أن ترامب لا ينظر إلى الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولا إلى التصعيد الإقليمي إلا باعتبارهما رافعة لإعادة هندسة المنطقة، لا بهدف خدمة الأنظمة الخليجية أو حماية أمنها، بل بهدف إزاحة أدوار القوى الحرة والمناهضة للهيمنة، وتمهيد الساحة لهيمنة إسرائيلية أوسع. ولذلك لم يكن في حديثه أي اهتمام بالملف النووي أو الصاروخي الإيراني بقدر ما كان التركيز منصباً على جرّ المنطقة كلها إلى مربع الولاء والتطبيع والانخراط في المشروع الصهيوني.
ويكشف هذا الخطاب أن النظام السعودي، رغم كل ما يقدمه من أموال وصفقات وتسهيلات، لا يحظى في الوعي الأمريكي إلا بموقع التابع الذي يُطلب منه المزيد كلما ظن أنه اشترى الحماية أو حجز لنفسه مكانة خاصة. فترامب، بعقلية التاجر والابتزازي، لا يرى في السعودية إلا بنكاً مفتوحاً وصفقة مستمرة، والسقف الذي يلوح برفعه لا يعني إلا مزيداً من الأموال والالتزامات السياسية والانخراط الأعمق في خدمة المخطط الأمريكي الإسرائيلي.
ومن هنا، فإن الإهانة التي وجهها ترامب ليست مجرد إساءة لفظية إلى محمد بن سلمان أو الملك السعودي، بل هي فضح علني لطبيعة العلاقة القائمة، علاقة طرف واحد يملي ويبتز ويهين، وطرف آخر يواصل الدفع والتنازل والتودد أملاً في رضا لن يأتي إلا بثمن أعلى. وما جرى في ميامي ليس سوى صورة مكثفة لحقيقة مرة: أن الأنظمة التي أدمنت الارتهان لواشنطن لا تُكافأ بالاحترام، بل تُقابل بمزيد من الامتهان والسخرية والابتزاز.
وفي لحظة تتعرض فيها المنطقة لهجمة أمريكية إسرائيلية واسعة تحت عنوان “تغيير الشرق الأوسط”، يبدو أن الرياض تعرف جيداً أن هذه الحرب إسرائيلية في جوهرها قبل أن تكون أمريكية، وأن هدفها ليس تمكين السعودية ولا رفع مكانتها، بل إعادة ترتيب المنطقة لصالح العدو الإسرائيلي. ومع ذلك، يستمر النظام السعودي في الانخراط داخل هذا المسار، رغم أن سيد البيت الأبيض نفسه لا يتوقف عن تذكيره، أمام العالم، بأنه مجرد تابع لا يُسمح له إلا بالدفع، والتطبيع، والالتزام بالصمت المهين.
إن تصريحات ترامب الأخيرة تكشف الوجه الحقيقي للوصاية الأمريكية على الخليج، وتؤكد أن ما يسمى بالشراكة الاستراتيجية ليس سوى علاقة ابتزاز دائمة، يُفرض فيها على الأنظمة أن تدفع من سيادتها وكرامتها وأموال شعوبها ثمناً لمشروع لا يخدم إلا واشنطن وتل أبيب. وفي المقابل، لا تنال سوى الإهانة العلنية، والتذكير المستمر بأنها من دون الحماية الأمريكية ليست سوى أنظمة مرعوبة تبحث عن البقاء بأي ثمن.
