في المشهد اليمني المعقَّد، حَيثُ تختلط دماء التضحيات بآمال الملايين في الخلاص، وصلت الأمورُ إلى محطة مفصلية لم تعد تحتمل المراوغة أَو الترحيل.
لقد وجّهت صنعاء -بكل ما تحمله من ثقل ميداني وموقف سياسي- رسالةً واضحة لا لَبْسَ فيها إلى الرياض: “إنها الفرصة الأخيرة”.
لم تكن هذه الدعوة مُجَـرّد تصعيد في الخطاب، هي توصيف دقيق لحالة الصبر التي قاربت على النفاد، ووضع للكرة في ملعب الطرف الآخر لإثبات جدية الرغبة في تحويل الهُدنة الهشة إلى سلام مستدام.
إن خارطة الطريق التي تتحدث عنها صنعاء هي “عقد اجتماعي وأخلاقي” لإنهاء معاناة شعبٍ عانى من ويلات حصار خانق أدمى مفاصل حياته اليومية.
إن هذه الخارطة، في جوهرها، تختصر حقوقًا لا تقبل التجزئة أَو التلاعب، وتتمثل في أولويات لا يمكن العبور إلى مستقبل اليمن دون تحقيقها:
رفع الحصار: فحرية الحركة والتجارة ليست منّة، هي حق إنساني أصيل، ورفع القيود عن الموانئ والمطارات هو الاختبار الأول لصدق النوايا.
صرف المرتبات: إن حقوق الموظفين اليمنيين التي توقفت لسنوات هي خط أحمر، ولا يمكن الحديث عن استقرار بينما يعاني الآلاف من انقطاع أرزاقهم؛ بسَببِ قرارات سياسية واقتصادية طالت قوت يومهم.
إعادة الإعمار: استحقاق ضروري لجبر الضرر الذي لحق بالبنية التحتية والمنازل، كجزء من عملية الإنصاف والتعافي الوطني.
السيادة الكاملة: إن الهدف الأسمى الذي لا مساومة عليه هو الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية من جنوب اليمن ومن كُـلّ شبر على أراضيه، لتمكين الشعب اليمني من فرض سيادته المطلقة على جغرافيته وثرواته وموارده السيادية.
إن رسالة صنعاء للرياض اليوم تؤكّـد أن القرار السياسي اليمني يجب أن يظل يمنيًّا خالصًا، بعيدًا عن أية إملاءات أَو وصاية.
فالسلام الحقيقي يتم بالاعتراف الكامل بحق الآخر في تقرير مصيره وإدارة شؤونه دون تدخلات، لا بإضعاف الآخر أَو الانتقاص من سيادته.
لقد منحت صنعاء هذه الفرصة الأخيرة إيمانًا منها بأن إراقة الدماء يجب أن تتوقف، وأن المعاناة الإنسانية يجب أن تجد طريقها إلى الحل.
إلا أن هذا الموقف المسؤول ينبغي ألا يُفسر بأي حال من الأحوال على أنه ضعف أَو تراجع، بل هو انفتاح على “سلام الشجعان” الذي يضمن الحقوق ويصون الكرامة.
الآن، الكرة في ملعب الرياض؛ فإما أن تختارَ مسار التنفيذ الفعلي لبنود خارطة الطريق لفتح صفحة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل وإنهاء الحقبة السوداء من الصراع، أَو أن تتحمل تبعات تفويت هذه الفرصة التاريخية.
إن التاريخ في اليمن لا يرحم من يتجاهل إرادَة الشعوب، واليمن اليوم، بكل ما فيه من جراح، يمتلك من القوة والوضوح ما يجعله قادرًا على فرض معادلاته وصون قراره الوطني مهما بلغت التحديات.
لقد قيلت الكلمة، وحدّدت المطالب، واليمن ينتظر: فهل ستغلَّب الحكمة لإنهاء المعاناة، أم سنكون أمام مرحلة جديدة من المواجهة التي لا تُبقي ولا تذر؟
