احتفت وسائل الإعلام العبرية بالاتفاق الإطاري الذي أُبرم في واشنطن بين السلطة اللبنانية وكيان العدو، باعتباره تحولاً استراتيجياً يخدم أهداف الاحتلال، ليس فقط لأنه يربط الانسحاب الإسرائيلي بملف نزع سلاح المقاومة، بل لأنه يفتح الباب أمام نقل المواجهة من الحدود إلى الداخل اللبناني.
وقالت القناة 13 الصهيونية إن “إسرائيل تدفع بلبنان إلى حرب أهلية”، معتبرة أن أي مواجهة بين الحكومة اللبنانية وحزب الله “قد لا تكون سيئة بالنسبة لإسرائيل”، بل إنها كانت “الهدف منذ البداية”. وهذه القراءة تكشف بوضوح أن تل أبيب لا تنظر إلى الاتفاق كمسار سلام، بل كأداة لتفجير التناقضات الداخلية وضرب المقاومة من الداخل بعد فشل كسرها عسكرياً.
وفي السياق نفسه، ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن جيش الاحتلال سيبقى حالياً على طول “الخط الأصفر”، ولن ينسحب من قلعة شقيف، كما لن يُسمح بعودة السكان اللبنانيين إلى منازلهم في هذه المرحلة، في مؤشر واضح على أن الاتفاق لا يضمن انسحاباً فورياً، بل يمنح الاحتلال غطاءً للبقاء والابتزاز.
وتضيف الصحيفة أن الاتفاق يُلزم الجيش اللبناني بتفكيك البنية التحتية للمقاومة في ما يسمى “المناطق التجريبية”، على أن تُضاف مناطق أخرى لاحقاً إذا جرى التنفيذ بما يرضي إسرائيل. وبذلك يتحول الانسحاب من حق لبناني ثابت إلى مكافأة مشروطة تمنحها تل أبيب بعد تقييمها لسلوك السلطة اللبنانية والجيش.
أما الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عاموس يدلين، فقد وصف الاتفاق بأنه “إنجاز مهم وإيجابي جداً”، موضحاً أن جوهره يقوم على معادلة “انسحاب إسرائيل مقابل نزع سلاح حزب الله”. وهذا التوصيف الإسرائيلي يختصر خطورة الاتفاق: الاحتلال يريد أن يأخذ بالسياسة ما عجز عن انتزاعه بالحرب.
ومن هنا جاء رفض حزب الله الحاسم، إذ اعتبر الأمين العام الشيخ نعيم قاسم أن اتفاق الإطار “مذلة وعار وتنازل عن السيادة”، مؤكداً أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة “يتجاوز كل الخطوط الحمراء”. فالمقاومة ترى أن العدو يجب أن ينسحب لأنه محتل، لا لأن لبنان يقدم له تنازلات داخلية تمس معادلة الدفاع والسيادة.
وتتصاعد المخاوف اللبنانية من أن يكون الاتفاق مدخلاً لفتنة داخلية، خصوصاً مع تحذيرات رئيس البرلمان نبيه بري من الانجرار إلى الفتنة، ومع اندفاع أطراف خارجية لإعلان دعمها للجيش اللبناني تحت عنوان فرض السيادة، في توقيت يبدو منسجماً مع الرغبة الأمريكية الإسرائيلية في تحويل الجيش إلى أداة ضغط على المقاومة.
وتبرز خطورة هذا المسار في أنه لا يستهدف فقط سلاح حزب الله، بل يستهدف معادلة الردع اللبنانية بأكملها. فالاحتلال الذي فشل في إعادة تشكيل الجنوب بالقوة، يسعى اليوم إلى استخدام الاتفاق السياسي والضغط الدولي والعربي لإحداث شرخ داخلي، ووضع اللبنانيين أمام معادلة خطيرة: إما القبول بشروط إسرائيل، أو الدخول في أزمة داخلية مفتوحة.
كما أن الحديث عن مساعدات خارجية مفاجئة للسلطة والجيش، خصوصاً من دول كانت غائبة عن دعم لبنان في لحظات العدوان، يطرح أسئلة جدية حول طبيعة الدور المطلوب منها، وما إذا كان الهدف هو دعم الاستقرار فعلاً، أم تغذية مسار سياسي وأمني يخدم الرؤية الإسرائيلية تحت شعار الدولة والسيادة.
في الخلاصة، لا يبدو الاحتفاء العبري باتفاق واشنطن تفصيلاً إعلامياً عابراً، بل اعترافاً واضحاً بأن الاتفاق يمنح إسرائيل فرصة لإعادة ترتيب المعركة داخل لبنان. فتل أبيب تريد بقاء الاحتلال تحت غطاء “الخط الأصفر”، ونزع سلاح المقاومة تحت عنوان “المناطق التجريبية”، ودفع السلطة إلى مواجهة داخلية تضعف لبنان وتخدم أمن العدو.
