حسمت قبائل أرحب، الثلاثاء، موقعها بصورة واضحة في ما بات يُعرف بقضية “ميرا” أو سمية الزبيري، معلنة تسلمها الرسمي لملف القضية، ومؤكدة أن التعامل معها شأن قبلي وأسري يخص أهل الفتاة وقبيلتها، وليس مادة مفتوحة للابتزاز السياسي أو التحشيد العسكري. وجاء هذا التحرك في لحظة تشهد فيها الجوف محاولات سعودية متسارعة لتفجير مواجهة جديدة تحت غطاء قبلي، عبر استغلال القضية ذاتها كذريعة لتجميع الموالين وتحريك أدواتها المحلية ضد صنعاء.
وخلال تجمع قبلي حاشد شمال العاصمة صنعاء، الإثنين، أعلن كبار مشايخ أرحب تسلمهم ملف القضية، في خطوة بدت بمثابة إقفال قبلي رسمي لباب التوظيف الخارجي لهذا الملف. وأكد الشيخ فارس الحباري في كلمة خلال التجمع أن قبيلة أرحب وحدها المعنية ببنتهم، وأن ما لها وما عليها هو حق أهلها وقبيلتها، في رسالة مباشرة تسحب من الأطراف الخارجية حق الادعاء أو التحدث باسمها أو استخدامها في صراعات لا تمت إلى حقيقتها الاجتماعية والقبلية بصلة. كما شهد الحشد كلمات لأقارب الزبيري رفضت بصورة قاطعة استغلال الفتاة في أجندات أخرى تتجاوز إطارها الحقيقي.
ولم يكن هذا التحرك القبلي معزولاً عن السياق الميداني، إذ توافد المئات من مسلحي أرحب إلى مطارح القبيلة في ما عُد رداً مباشراً على التحشيدات التي دفعت بها السعودية في الجوف بذريعة قضية الزبيري. وبذلك، بدا النكف القبلي لأرحب بمثابة حسم مزدوج: حسم لوضع القضية نفسها باعتبارها قضية أهلها، وحسم في مواجهة أي محاولة لاستخدام اسم الفتاة ستاراً لتحركات مشبوهة أو لخلق اصطفافات قبلية مصنوعة في الخارج.
وفي المقابل، تكشف التطورات المتسارعة في مطارح الريان أن السعودية انتقلت من إدارة الملف في الخفاء إلى التسريع العلني نحو تفجير الوضع في الجوف، مدفوعة بمخاوف واضحة من خسارة الورقة قبل استثمارها عسكرياً وسياسياً. فقد دفعت الرياض بـ حمد فدغم إلى تقليص المهلة التي كان قد أعلنها سابقاً للتصعيد، حيث خفّضها من 10 أيام إلى 48 ساعة فقط، في تحول يعكس حالة استعجال سعودي لإشعال الموقف قبل أن تنجح الوساطات القبلية في إخماده.
ولم يقتصر التغيير على التوقيت، بل شمل أيضاً لغة الخطاب والشعارات، إذ انتقل فدغم من طرح ما يزعم أنها قضية شخصية أو قبلية إلى رفع شعارات سعودية صريحة من نوع “التحرير” و“ضرب صنعاء”، وهو تحول يكشف بوضوح أن الرجل لم يعد يتحرك من داخل مساحة قضية اجتماعية أو قبلية، بل جرى دمجه بالكامل في أجندة تصعيد سعودية تحاول استعادة الحرب من نافذة القبيلة بعدما فشلت عبر الجبهات المفتوحة والسياسة المباشرة.
وجاء هذا التسريع السعودي في وقت بدأت فيه مساعٍ قبلية لاحتواء تداعيات القضية، حيث وصل مشايخ قبائل من خولان إلى مطرح الريان بمبادرة جديدة لوأد الفتنة. ومن بين الشروط التي وافقت عليها قبائل الجوف رفع المطارح فوراً، وهو ما يفسر جزئياً الاستعجال السعودي في فرض سقف زمني جديد للتصعيد، خشية أن تنجح الوساطات في تفكيك التحشيد الواسع الذي أُنشئ تحت غطاء فدغم. كما يكشف ذلك أن المطارح لم تعد مجرد تجمعات قبلية، بل تحولت إلى منصة سعودية جاهزة للتفجير العسكري متى ما صدر القرار.
وفي مؤشر أكثر وضوحاً على حجم الارتباط، جدد حمد بن فدغم ولاءه للسعودية بصورة علنية للمرة الأولى منذ انضمامه إلى صنعاء قبل سنوات، متعهداً في مقطع فيديو تداولته وسائل إعلام سعودية على نطاق واسع بالالتزام بتوجيهات التحالف وعدم الخروج عنها، والتوقف عن قطع الطرقات والالتزام بالأوامر. ويكتسب هذا الإعلان دلالة خاصة لأنه تزامن مع تقارير تحدثت عن تلقيه دعماً بقيمة 28 مليون ريال سعودي، قُدم له عبر وسطاء قبليين، ما يؤكد أن فدغم لم يعد مجرد واجهة اجتماعية لقضية عابرة، بل تحول إلى أداة مموّلة وموجّهة في مشروع تصعيد سعودي جديد شمال اليمن.
وتعززت هذه الصورة مع إعلان فصائل موالية للسعودية، وعلى رأسها “الطوارئ”، تقديم تغذية وسكن متنقل لعائلة فدغم التي قدمت من معسكرها عند الحدود السعودية في العبر، في حين تحدثت معطيات أخرى عن انضمام تنظيم القاعدة إلى مطرح فدغم، مع تنصيب القيادي المرقشي مسؤولاً أمنياً لحماية المطارح. وهذا التطور يكشف أن السعودية لا تدير مجرد اصطفاف قبلي محدود، بل تسعى إلى تجميع أدواتها القديمة كلها، من الفصائل الموالية إلى العناصر المتطرفة، تحت غطاء “القضية” لتوفير بيئة ميدانية قابلة للاشتعال في أي لحظة.
وفي هذا السياق، برزت معلومات عن حملة تجنيد سعودية في سوريا لصالح فدغم، حيث تداولت منصات سعودية مرتبطة بالاستخبارات مقاطع لمسلحين من تنظيمي القاعدة وداعش في سوريا يتحدثون عن ترتيبات للتوجه إلى الجوف دعماً للتحشيدات التي تشرف عليها الرياض. كما أشارت هذه المواد إلى وجود مراكز تجنيد في دير الزور والبصرة، في تطور يكشف أن السعودية لا تكتفي بتحريك أدواتها المحلية، بل تعمل على استقدام عناصر متطرفة من ساحات عربية أخرى لإسناد مشروعها في شمال اليمن.
ويعيد هذا المشهد التذكير بسلوك سعودي مألوف منذ بدء الحرب على اليمن في مارس 2015، حين اعتمدت الرياض على تجميع المرتزقة والعناصر المتطرفة من عدة دول، واستخدمتهم وقوداً لمعاركها، قبل أن تعيد اليوم إنتاج الأسلوب نفسه ولكن بغطاء قبلي وبعنوان أكثر خداعاً. غير أن ما يميز الجولة الحالية هو أنها تجري وسط شكوك كبيرة في نتائج أي معركة جديدة، وفي ظل إدراك متزايد داخل القبائل اليمنية بأن هذا النوع من التحشيد لا يقود إلى “نصرة قضية”، بل إلى تفجير فتنة وصناعة استنزاف جديد لخدمة الأجندة السعودية.
وفي واحدة من أكثر صور المشهد عبثية، برز تفاعل منابر وشخصيات مرتبطة بالسلطة القائمة في سوريا مع ملف “ميرا“، في وقت يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي توغله اليومي في الأراضي السورية، ولا سيما في ريف درعا ومناطق حوض اليرموك وقرية معرية، وسط إطلاق نار على منازل المدنيين في خرق سافر لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974. وفي مقابل هذا التوغل الصهيوني المتصاعد، لم تُظهر تلك الجهات أي جدية في مواجهة الاحتلال، بل وجّهت بوصلتها إلى اليمن للمشاركة في الضخ الإعلامي والتحريض المرتبط بقضية وهمية، استجابة -بحسب توصيف مراقبين- لتوجيهات المموّل السعودي.
ويحمل هذا المشهد دلالات سياسية تتجاوز الملف اليمني نفسه، إذ يكشف مستوى الانحطاط الوظيفي الذي وصلت إليه بعض القوى والجماعات، حين تتحول من رفع شعارات “الجهاد” و“السيادة” إلى أدوات إعلامية وسياسية في حملة تستهدف صنعاء، بينما يواصل الاحتلال قضم الأرض السورية بلا كلفة تُذكر. وبذلك، تبدو قضية “ميرا” وقد تحولت إلى مسرحية إقليمية هزلية تتقاطع فيها مصالح السعودية، وبعض المنابر التابعة لها، وأطراف مستعدة لبيع أي خطاب أو شعار في سبيل التمويل والتحريض.
وفي موازاة ذلك، جاءت مواقف من العراق لتفكك الرواية من أساسها، حيث سخرت الناشطة العراقية حنان عبد اللطيف من الأصوات المنساقة وراء ادعاءات المرأة التي تزعم نسبها إلى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ووصفتها بأنها “نصابة ودجالة وسجاح العصر”. وأكدت بوضوح أن هذه المرأة لا صلة لها بصدام حسين، ولا تشبه نساء البيجات والبو ناصر، ولا حتى تتحدث بلهجة عراقية، مشيرة إلى أنها لجأت إلى تقارير طبية مزورة من مصر لتثبيت هذا الادعاء، متسائلة باستهجان عن الكيفية التي أمكن بها لمؤسسات طبية مصرية الحصول على عينات من الرئيس الراحل.
وأضافت الناشطة العراقية أن الهدف من هذه المسرحية هو الاعتياش على اسم صدام حسين، داعية إلى البحث عمّن يقف خلف هذه المرأة ويحركها من الخلف، وختمت بقول واضح إن للرئيس العراقي الراحل ثلاث بنات فقط: رغد ورنا وحلا. وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من أنها تصدر من داخل العراق نفسه، وتنسف الأساس الدعائي الذي حاولت بعض الأطراف البناء عليه لتحويل الملف إلى قضية تعبئة وتحريض في اليمن.
وخلاصة المشهد أن قبائل أرحب حسمت الملف قبلياً واجتماعياً، وأغلقت الباب أمام استغلال اسم الفتاة في مشروع فتنة أو تحشيد، فيما تكشف التطورات الميدانية أن السعودية تدفع بفدغم إلى واجهة تصعيد جديد في الجوف بعد أن زودته بالمال والدعم والإسناد الإعلامي والعسكري، وسعت إلى إحاطة تحركاته بأدوات متطرفة ومحاور تجنيد عابرة للحدود. وبين هذا وذاك، تتهاوى الرواية الأصلية للقضية نفسها تحت وقع شهادات أهل الفتاة وأقاربها ومواقف قبلية يمنية واضحة، إلى جانب شهادات عراقية تنفي النسب المزعوم من أساسه. وهكذا، لم تعد القضية اليوم قضية “ميرا” بقدر ما أصبحت قضية توظيف سعودي فجّ لملف وهمي بهدف إشعال الجوف وإعادة فتح جبهة جديدة ضد صنعاء تحت غطاء قبلي كاذب.
