دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، اليوم، مرحلة أكثر حساسية وخطورة، بعدما جدّدت واشنطن عدوانها على جنوب إيران عبر ضربات استهدفت بندر عباس وقشم وحاجي آباد وجزيرة فارور في محافظة هرمزغان، في محاولة واضحة لمواصلة الضغط على البنية الدفاعية والساحلية الإيرانية، وفرض وقائع عسكرية جديدة في محيط مضيق هرمز. غير أن هذا التصعيد الأمريكي جاء في سياق إقليمي متفجر أصلاً، بعدما كانت طهران قد رسمت خلال الساعات الماضية معادلة ردع جديدة عنوانها أن هرمز لن يُدار بالإملاءات الأمريكية، وأن أي عدوان على الأراضي الإيرانية سيقابله توسيع مباشر لدائرة النار على القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة.
ودوّت انفجارات من الجهة الشرقية لمدينة بندر عباس وفي منطقة قشم البحرية، فيما أكد التلفزيون الإيراني سماع دوي انفجارات في جزيرة قشم، قبل أن يعلن حاكم الجزيرة أن 10 مقذوفات على الأقل أصابت المنطقة وأن الأهداف كانت عسكرية من دون تسجيل خسائر بشرية كبيرة في الموقع المستهدف. كما أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن العدوان الأمريكي طال أيضاً مناطق في حاجي آباد، وأدى في جزيرة فارور إلى مقتل أحد مدراء قطاع الاتصالات في هجوم استهدف بندر لنجة، مع إصابة اثنين آخرين. وفي المقابل، نقلت أكسيوس ونيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين أن الضربات استهدفت أنظمة صواريخ ودفاعات جوية وزوارق صغيرة للحرس الثوري قرب مضيق هرمز، بزعم إضعاف قدرة طهران على مهاجمة السفن التجارية.
لكن العدوان الأمريكي الجديد لم يأت من فراغ، بل جاء بعد جولة تصعيد سابقة كانت إيران قد ردت فيها بقوة، عندما أعلن حرس الثورة الإسلامية تنفيذ ضربات واسعة على أهداف أمريكية في المنطقة، شملت تدمير مركز القيادة والتحكم وحظائر طائرات الاستطلاع MQ-9 في قاعدة الأمير حسن في الأردن، واستهداف قاعدة العديد في قطر بصواريخ بالستية أدت، بحسب الرواية الإيرانية، إلى تدمير مركز صيانة وإدامة المقاتلات الجوية ومركز القيادة والسيطرة فيها. كما امتد الرد إلى ميناء الدقم العماني حيث أعلنت طهران تدمير مراكز الدعم اللوجستي ومنصات تزويد حاملات الطائرات الأمريكية بالوقود، في خطوة كشفت أن بنك الأهداف الإيراني لم يعد يقتصر على القواعد التقليدية، بل اتسع ليشمل البنية الداعمة للانتشار الأمريكي البحري والجوي في الإقليم.
وفي موازاة ذلك، كان الجيش الإيراني قد أعلن استهداف منظومة باتريوت ومستودع ذخيرة وموقع رادار أمريكي في الكويت بالطائرات المسيّرة، إلى جانب ضرب منظومة الاتصالات وموقع الرادار الأمريكي في البحرين، بينما تحدثت تقارير عن انفجارات في قواعد ومصالح أمريكية في الكويت والبحرين وقطر والأردن، بما يجعل الجولة السابقة من الرد الإيراني أوسع رد ميداني مباشر على الوجود الأمريكي في أربع دول خليجية ومحيطها منذ بداية هذا التصعيد. وهذه الخلفية ضرورية لفهم ما يجري اليوم، لأن الضربات الأمريكية الجديدة تبدو محاولة لاستعادة زمام المبادرة بعد أن فرضت طهران كلفة إقليمية مباشرة على الانتشار العسكري الأمريكي.
وفي صلب هذا الاشتباك، يبرز مضيق هرمز بوصفه العقدة الأساسية للصراع. فقد أكد حرس الثورة في بياناته السابقة أن واشنطن حاولت فرض ممر غير شرعي جنوب المضيق عبر الضغط على سلطنة عمان، لكن إيران أفشلت هذه المحاولة برد حاسم، قبل أن تنتقل إلى استهداف سفن مخالفة وإيقافها، وإعلان أن أي حركة خارج المسارات المقررة إيرانياً ستواجه بإجراءات حاسمة. وبذلك، فإن العدوان الأمريكي الحالي على محيط بندر عباس وقشم لا يمكن فصله عن معركة السيادة على هرمز، حيث تحاول واشنطن انتزاع حق تنظيم الملاحة من طهران بالقوة، بينما تؤكد الجمهورية الإسلامية أن المضيق لن يفتح إلا وفق الترتيب الإيراني وأن الوجود العسكري الأجنبي هو أصل الاضطراب لا ضامن الاستقرار.
وفي المقابل، بدأت تداعيات هذا التصعيد تظهر سريعاً على مستوى الإقليم. فقد أعلن الجيش الكويتي تعرض ثلاثة مراكز حدودية برية شمال البلاد لهجوم عدواني أسفر عن أضرار مادية، كما أكد استهداف منصة حفر بحري تابعة لشركة نفط الكويت بمسيّرة معادية أدت إلى إصابة أحد العاملين. وهذه التطورات تكشف أن اتساع المواجهة لم يعد محصوراً في البحر أو في القواعد العسكرية فقط، بل بات يهدد البنية النفطية والحدودية والمنشآت الحيوية في الدول المرتبطة بالانتشار الأمريكي. كما أن صدور مواقف من قطر والإمارات والبحرين في الجولات السابقة، عبر رفع التأهب وتفعيل صفارات الإنذار والتصدي لمسيّرات وصواريخ، يوضح أن الخليج كله دخل فعلياً حالة أمنية حرجة بفعل العناد الأمريكي ورغبته في إدارة الأزمة من موقع الهيمنة العسكرية.
وفي السياق السياسي، برزت باكستان مجدداً في موقع الداعي إلى خفض التصعيد، إذ أكدت خارجيتها دعمها لسيادة وسلامة أراضي دول المنطقة، وحثت الأطراف على الوفاء بالالتزامات بموجب مذكرة التفاهم واعتماد الحوار والدبلوماسية طريقاً لتحقيق السلام والاستقرار الدائمين. غير أن هذه الدعوات تأتي في وقت تؤكد فيه طهران أن الولايات المتحدة هي من يقوض أساس التفاهمات، سواء عبر إنهاء وقف إطلاق النار عملياً أو عبر العودة إلى الضربات العسكرية ومحاولة تغيير قواعد الاشتباك في هرمز بالقوة.
وفي الداخل الإيراني، عكست تصريحات المستشار العسكري للمرشد الإيراني أن طهران لا تنظر إلى ما يحدث كجولة محدودة، بل كجزء من حالة حرب مستمرة، داعياً جميع الأجهزة إلى الحفاظ على جاهزيتها، ومحذراً من أن العدو يسعى إلى إحداث شرخ بين الشعب والمسؤولين، في وقت تعتبر فيه القيادة الإيرانية أن الوحدة الداخلية هي السلاح الأهم في مواجهة الضغوط العسكرية والنفسية والاقتصادية المتصاعدة.
في الخلاصة، فإن العدوان الأمريكي الجديد على بندر عباس وقشم ومحيط هرمز لا يمثل حادثاً منفصلاً، بل هو امتداد مباشر لمعركة أوسع تدور حول السيادة على المضيق، وحدود النفوذ الأمريكي في الخليج، وحق إيران في الرد على العدوان. كما أن التطورات السابقة، من إغلاق هرمز فعلياً أمام المسارات المخالفة إلى ضرب قواعد ومصالح أمريكية في أربع دول خليجية ومحيطها، تؤكد أن طهران انتقلت من منطق الاحتجاج إلى فرض معادلة ميدانية وسيادية جديدة. وبذلك، تقف المنطقة اليوم أمام مشهد بالغ الخطورة: واشنطن تواصل التصعيد لمحاولة كسر الإرادة الإيرانية، وطهران ترد بتوسيع بنك الأهداف وترسيخ أن كلفة العدوان لن تُدفع داخل إيران وحدها، بل عبر كامل البنية العسكرية واللوجستية الأمريكية في الإقليم.
