أثارت الضربة الصاروخية التي نشرتها القوات المسلحة اليمنية واستهدفت اجتماعاً لقيادات عسكرية موالية للسعودية اهتماماً واسعاً في عدد من وسائل الإعلام والمنصات العبرية، لكن ما استوقف المراقبين الإسرائيليين لم يكن مجرد استخدام صاروخ باليستي أو حجم الانفجار، بل الدقة العالية للإصابة، وسرعة إغلاق دائرة الاستهداف، ووجود طائرة مسيّرة فوق الهدف لحظة التنفيذ.
وتُظهر المشاهد ثلاث عربات متجمعة في نقطة محدودة داخل منطقة مفتوحة، بينما كانت طائرة مسيّرة تراقب الموقع من الجو، قبل أن يسقط الصاروخ في قلب التجمع مباشرة، في مشهد دفع عدداً من المنصات العبرية إلى وصف العملية بأنها قدرة “مثيرة للإعجاب”.
منصة “أبو علي إكسبرس” الصهيونية كانت من أبرز الجهات التي ركزت على هذا الجانب، إذ وصفت الضربة بأنها إصابة دقيقة لنقطة اجتماع مسؤولين كبار في القوات الموالية للسعودية بواسطة صاروخ باليستي، بالتزامن مع تصوير العملية من الأعلى بواسطة مسيّرة.
ولم يكن التركيز الصهيوني على مجرد وقوع الصاروخ قرب الهدف، بل على أن الإصابة جاءت داخل نقطة الاجتماع نفسها. ونشرت المنصة صورة للحظات الأخيرة قبل سقوط الصاروخ، في إشارة إلى ضيق المسافة بين العربات وبين نقطة الإصابة.
أما موقع “سروغيم” الصهيوني، فذهب إلى توصيف أكثر وضوحاً، معتبراً أن المشهد يعكس قدرة متقدمة على “إغلاق دائرة الاستهداف”، وأن صنعاء تمكنت من رصد مجموعة صغيرة ومؤقتة في منطقة مفتوحة، ثم نقل معلوماتها إلى وسيلة النيران وتنفيذ الضربة قبل مغادرتها الموقع.
وتكمن أهمية هذا التوصيف في أن مصطلح “إغلاق الدائرة” لا يشير إلى دقة الصاروخ وحدها، بل إلى سلسلة متكاملة تبدأ من اكتشاف الهدف ورصده، مروراً بتحديث إحداثياته، ثم تمرير المعلومات إلى منصة الإطلاق، وصولاً إلى تنفيذ الضربة في الوقت المناسب.
وبحسب القراءة الصهيونية، فإن العنصر الأكثر خطورة هو أن الهدف لم يكن قاعدة عسكرية ثابتة أو مطاراً أو منشأة ذات إحداثيات معروفة مسبقاً، بل ثلاث مركبات فقط في موقع مؤقت، ما يجعل نجاح الضربة مؤشراً على قدرة أعلى في ملاحقة الأهداف الصغيرة وعالية القيمة.
وانتقل هذا التوصيف إلى مواقع عبرية أخرى، بينها JDN، التي ركزت بدورها على أن الصاروخ أصاب نقطة الاجتماع نفسها، وأعادت استخدام وصف “القدرة المثيرة للإعجاب” في تقييمها للعملية.
أما موقع “كيكار هشبات” فاختار عنواناً ساخراً ممزوجاً بالدهشة، وصف فيه قوات صنعاء بأنها “محترفة”، معتبراً أن ما ظهر في الفيديو يتجاوز إطلاق صاروخ تقليدي، ويعكس دمجاً بين وسيلة الاستطلاع ووسيلة الضرب في عملية واحدة.
ورأى الموقع أن الأهمية لا تكمن فقط في الصاروخ، بل في قدرة الطائرة المسيّرة على مراقبة الهدف من الجو وتوثيق النتيجة في الزمن الحقيقي، وهو ما يمنح العملية قيمة استخباراتية وعملياتية أكبر.
وفي منتدى “روتر” الصهيوني، اتجه النقاش إلى زاوية أكثر حساسية: كيف عرفت صنعاء موعد ومكان اجتماع القيادات؟ وطرح متابعون تساؤلات بشأن احتمال وجود اختراق استخباراتي عميق سمح بمعرفة موقع الهدف وتوقيته قبل تنفيذ الضربة.
وبذلك ظهر في النقاش الصهيوني مساران متوازيان: الأول يعترف بالدقة العالية والقدرة على الاستهداف، والثاني يتساءل عن حجم الاختراق الاستخباراتي الذي مكّن من الوصول إلى اجتماع صغير وغير ثابت في الوقت المناسب.
وفي فضاء الرصد العسكري مفتوح المصدر، تناولت حسابات ومنصات المشهد من زاوية تقنية، ووصفت الإصابة بأنها شديدة الدقة وقريبة جداً من مركز الهدف، بينما ذهبت بعض التقديرات إلى ترجيح استخدام نسخة موجهة من صاروخ محلي الصنع.
كما اعتبرت منصات تحليل عسكرية أن العملية تمثل ترقية في القدرة على الضرب الدقيق، لأنها تجمع بين الاستطلاع الجوي والصاروخ الباليستي واستهداف القيادات في مساحة محدودة، بدلاً من استخدام الصواريخ ضد أهداف كبيرة وثابتة فقط.
وتركزت إحدى أهم الملاحظات الإسرائيلية على سرعة عملية الاستهداف؛ أي المدة الزمنية بين اكتشاف الاجتماع وتنفيذ الضربة. فكلما كانت هذه الفترة أقصر، زادت قدرة صنعاء على استهداف أهداف متحركة أو مؤقتة قبل أن تتفرق أو تغير مواقعها.
ولهذا بدا أن القلق الصهيوني لا يتعلق فقط بامتلاك صنعاء صواريخ باليستية، بل بإمكانية تطوير منظومة قتل متكاملة تجمع بين الاستخبارات والمراقبة الجوية والتحديث السريع للإحداثيات والتنفيذ الدقيق.
وتكشف القراءة العبرية أن أخطر ما في العملية لم يكن حجم الرأس الحربي ولا مدى الصاروخ، بل القدرة على رصد هدف صغير وعالي القيمة، إبقائه تحت المراقبة، ثم ضربه مباشرة قبل أن يغادر الموقع.
