ذات صلة

الأكثر مشاهدة

إرادة الله ستمضي… رغم أنف المستكبرين

عدالة الله لا تزال هي من تحكم شؤون الحياة،...

من غزة إلى الأقصى والخليل.. الاحتلال يواصل القتل ويُحكم قبضة التهجير ويمهّد لفرض وقائع جديدة على الأرض والمقدسات

تتسع خريطة تصعيد الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية من قطاع غزة إلى الضفة الغربية والقدس والخليل، حيث تتواصل الغارات وإطلاق النار والاقتحامات والاعتقالات، بالتوازي مع خطوات تستهدف الوجود الفلسطيني في المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي، وتصريحات إسرائيلية بشأن تهجير سكان غزة، في مشهد ترى فيه الجهات الفلسطينية محاولة متكاملة لإعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي والديني بالقوة.

وفي قطاع غزة، واصل الاحتلال خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار، حيث استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة في حي النصر غربي مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد الفلسطيني يوسف عكيلة وابنته وفاء وإصابة آخرين، بينما زعمت وسائل إعلام إسرائيلية أن العملية استهدفت من وصفته بـ”مسؤول عسكري” في حركة حماس.

وجاءت الضربة ضمن يوم من الاعتداءات المتواصلة على القطاع؛ فقد أصيب فلسطينيون في غارة بمسيّرة على مخيم الشاطئ، فيما تعرض محيط مفترق السنافور في حي التفاح لغارات أدت إلى إصابة 9 أشخاص بينهم طفلة، كما سجلت إصابات إثر غارة على شارع الشفاء غربي غزة، بينما أطلقت طائرات “كواد كابتر” النار شرق مخيم البريج وألقيت قنابل دخانية في منطقة العطاطرة شمال غربي بيت لاهيا.

كما واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي التحرك على الأرض، إذ توغلت آليات عسكرية عشرات الأمتار قرب ما يعرف بـ”الخط الأصفر” في دير البلح، في الوقت الذي تشير فيه المادة إلى أن إسرائيل وسعت نطاق سيطرتها داخل قطاع غزة إلى مناطق تقدر بنحو 70% من مساحة القطاع، رغم استمرار اتفاق وقف إطلاق النار.

وتكشف أرقام وزارة الصحة حجم الكلفة الفلسطينية المستمرة؛ إذ أعلنت وصول 17 جريحاً خلال 24 ساعة إلى مستشفيات القطاع، وارتفاع حصيلة الخروقات منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر إلى 1,344 شهيداً و4,481 جريحاً، إضافة إلى انتشال جثامين 826 شهيداً. وبلغت الحصيلة الإجمالية للعدوان، وفق الوزارة، 73,651 شهيداً و174,592 جريحاً.

ولا ينفصل استمرار القصف عن المخاوف الفلسطينية من مشروع أوسع للتهجير؛ إذ أثارت تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بشأن إخراج الفلسطينيين من قطاع غزة إدانة مشتركة من وزراء خارجية ثماني دول عربية وإسلامية، وصفوا الطروحات بأنها تهديد مباشر لحقوق الشعب الفلسطيني ومحاولة لفرض تغيير ديموغرافي وجغرافي بالقوة.

وأكد البيان المشترك رفض أي محاولة لتهجير الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة أو خارجها، مشدداً على أن غزة جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة وأن أي مشروع لنزع سكانها من أرضهم يمثل تقويضاً مباشراً لحق الفلسطينيين في البقاء وتقرير المصير.

وفي الضفة الغربية، واصل جيش الاحتلال حملات الاقتحام والمداهمة، إذ اقتحم مدينة طوباس وبلدة عقابا، وأصاب طفلاً بالرصاص خلال اقتحام قلقيلية، فيما أصيبت امرأة بالرصاص الحي في منطقة الجابريات بجنين. كما اعتقلت القوات الإسرائيلية 19 فلسطينياً بينهم أسرى محررون خلال حملة مداهمات واسعة.

أما في القدس، فتتصاعد إجراءات الاحتلال الإسرائيلي بالتزامن مع اقتراب الأعياد اليهودية. فقد اقتحم 124 مستوطناً المسجد الأقصى خلال فترة الاقتحامات الصباحية، بينما قالت محافظة القدس إن سلطات الاحتلال أصدرت 15 قرار إبعاد خلال ستة أيام فقط من مطلع سبتمبر، مقارنة بـ23 قراراً خلال شهري يوليو وأغسطس مجتمعين.

وترى محافظة القدس في هذه الإجراءات سياسة ممنهجة لتقليص الحضور الفلسطيني داخل المسجد الأقصى وتهيئة المجال أمام تكثيف اقتحامات المستوطنين ومحاولات فرض طقوس دينية جديدة، خصوصاً خلال موسم الأعياد الممتد من منتصف سبتمبر إلى مطلع أكتوبر.

وتشير الأرقام إلى أن سلطات الاحتلال أصدرت منذ بداية العام نحو 800 قرار إبعاد، معظمها عن المسجد الأقصى، فيما اقتحم 40,661 مستوطناً المسجد منذ بداية العام وحتى نهاية أغسطس، بحسب بيانات محافظة القدس، الأمر الذي يرفع المخاوف من استخدام موسم الأعياد لتغيير تدريجي في الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد.

وفي الخليل، يسير المشهد في الاتجاه نفسه. فقد واصل الاحتلال منع رفع الأذان في الحرم الإبراهيمي لليوم الـ75 على التوالي، بما يزيد على 380 وقت صلاة، إلى جانب تشديد الحواجز والإبعادات وتنفيذ أعمال داخل سقف الحرم ومحاولات تغيير ترتيبات غرفة الأذان والمفاتيح والأقفال.

وحذر مدير الحرم الإبراهيمي الشيخ معتز أبو سنينة من أن إجراءات الاحتلال الإسرائيلي تستهدف طمس الهوية الإسلامية والتاريخية للحرم وتفريغه تدريجياً من مرجعياته الدينية والإدارية، مشيراً إلى انتقال أساليب سبق تطبيقها في المسجد الأقصى إلى الحرم الإبراهيمي.

وتكتسب هذه الإجراءات خطورة إضافية في ضوء التاريخ القريب للحرم، الذي تعرض بعد مجزرة عام 1994 إلى تقسيم مكاني وزماني، بينما يثير استمرار منع الأذان والسيطرة على المداخل والمفاتيح مخاوف فلسطينية من الانتقال إلى مرحلة أكثر اتساعاً من السيطرة الإسرائيلية الفعلية على الموقع.

وبذلك، لا تبدو التطورات الفلسطينية سلسلة أحداث منفصلة: قصف واغتيالات في غزة، توسع ميداني داخل القطاع، حديث إسرائيلي عن التهجير، اعتقالات واقتحامات في الضفة، إبعاد للفلسطينيين عن الأقصى، ومنع للأذان وتغيير للوقائع داخل الحرم الإبراهيمي. إنها جبهات مختلفة تتقاطع عند هدف واحد في القراءة الفلسطينية: تقليص الوجود الفلسطيني وإضعاف قدرته على التمسك بأرضه ومقدساته.

وفي المقابل، يستمر الفلسطينيون في البقاء على الأرض والتمسك بغزة والضفة والقدس والمقدسات، بينما تظل المقاومة جزءاً من واقع المواجهة الذي نشأ في ظل الاحتلال والحصار والاستيطان. ومع اتساع الضغوط الإسرائيلية من القوة العسكرية إلى الديموغرافيا والمقدسات، تتزايد المخاوف من أن تكون المرحلة المقبلة مواجهة أوسع على هوية الأرض الفلسطينية نفسها، لا على خطوط الاشتباك وحدها.

spot_imgspot_img