أكثر من سبعة آلاف رحلة جوية أُلغيت أو شُلّت في غضون أسبوعين، وطائرات ظلت جاثمة على مدارجها من الرياض إلى الدمام وأبها ونجران، بينما كانت شركات الطيران العالمية تعيد حساباتها بهدوء وتعلن تعليق رحلاتها تباعاً.
كل ذلك لم يكن اضطراباً تقنياً في حركة الملاحة، إنما كانت التداعيات الميدانية لمعادلة يمنية تصاعدت لتعلن بكل وضوح أن زمن “العدوان غير المكلف” قد ولى إلى غير رجعة.
على مدى اثني عشر عاماً، حاول نظام العدو السعودي أن يدير حربه على اليمن بوصفها شأناً داخلياً، يمكنه عزله خارج الحدود؛ طائرات تقتل الأرواح، وتقصف البنى التحتية، وحصار يُطبق على الموانئ، ومطارات مغلقة في وجوه المرضى والمسافرين.
كانت المعادلة السعودية تراهن على فائض المال، وترسانات الأسلحة الغربية، وأدوات محلية لا تزال تهدد وترعد، وافتراضٍ مريح بأن الحرب يمكن أن تظل مسرحاً لطرف واحد يقصف ويحاصر، بينما الطرف الآخر يكتفي بإحصاء ضحاياه.
المشهد اليوم، بفضل وقدرة القادر العزيز الجبار المنتقم، انقلب تماماً، والردع اليمني تحول إلى استراتيجية ناضجة تحكمها قاعدة قطعية رسخها قائد الثورة: الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد، والبادئ بالظلم يتحمل دفع الأرقام الباهظة في فاتورة الحساب.
كما نحت أجدادهم الصخر بحنكة وحكمة، كانت الأهداف اليمانية تُنسج ببراعة جراح عسكري يعرف مواضع الألم الحقيقي، فقد توزعت الضربات على ثلاثة مسارات دقيقة شلت شرايين العدو: القواعد الجوية التي تنطلق منها طائرات العدوان كخميس مشيط وقاعدة الملك فهد في الطائف، والمنشآت السيادية لوزارة الدفاع، وصولاً إلى العصب الاقتصادي الأهم: مصافي ومنشآت “أرامكو” في رأس تنورة وينبع.
وبينما كانت الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية تعيد رسم ميزان القوى الإقليمية في الأجواء، كانت ثمة معركة أخرى تُحسم على مستوى البر والبحر، تحديداً على ضفاف البحر الأحمر؛ إذ أثبتت القوات المسلحة اليمنية مفهوماً عسكرياً متقدماً تجاوز حسابات الجغرافيا الكلاسيكية، مستبقة السيطرة والوصول البشري إلى باب المندب بمعادلات “السيطرة بالنار”.
وبذلك أسقط اليمن الرهان السعودي الأخير على موانئه الغربية كبديل آمن عن مضيق هرمز، ووجدت المملكة الهالكة نفسها محاصرة بنقاط اختناق أمنية واقتصادية تصنعها إرادة اليمن قبل أسلحته المتطورة.
زاد اليمن من تآكل الورقة العسكرية سعودياً، وأبعد من ذلك، فقد جعل مشروع “الواجهة البراقة” الذي أنفقت الرياض مليارات الدولارات لتلميعه… شاحباً وجافاً ومشوهاً.
تلاشى الطموح السعودي الذي أنفق كثيراً لأجل تقديم المملكة كواحة استثمارية آمنة ومركز عالمي للمال والترفيه والسياحة؛ فإذا بتلك الصورة تهتز بعنف، وسط تراجع مؤشرات سوق المال، وهروب الاستثمارات الأجنبية الباحثة عن بيئة مستقرة، وإجبار الرياض على تأجيل أهم فعالياتها الترويجية بعدما غدت العاصمة نفسها مسرحاً للتحذيرات وحظر الطيران.
عملاق النفط، “أرامكو”، التي طالما تباهت بخزائنها وإيراداتها المالية، اضطرت للهروب نحو الأسواق العالمية لطلب قرض بقيمة عشرة مليارات دولار، والبحث عن مصادر تمويل آسيوية، بعدما تكبدت منشآتها خسائر باهظة وعجزت عن استغلال اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، مثقلة بارتفاع تكاليف التأمين والنقل والمخاطر التشغيلية.
يقول الاقتصاديون والخبراء الدوليون إن الرياض عاجزة عن “شراء النصر”، وإن ترسانات باتريوت واستئجار الميليشيات الأجنبية لن يحميا اقتصاداً ريعه غير النفطي يتبدد تحت وطأة الصواريخ، وموازنته لعام 2026 تتسع فيها فجوات العجز على نحو غير مسبوق.
في المقابل، فإن الرسالة التي تنطلق من صنعاء اليوم مفادها أن العدوان والحصار لن يثمرا استسلاماً، بل يفرضان كلفة وجودية واقتصادية باهظة على من بدأهما، والباب الوحيد لعودة الاستقرار لا يمر عبر استجداء المنظومات الدفاعية الغربية أو التستر بصفقات الاستخبارات الأمريكية، بل بالإذعان لاستحقاقات السلام الحقيقي وإنهاء العدوان، ورفع الحصار الشامل، واستعادة كل حقوق اليمن في ثرواته وسيادته وموانئه ومطاراته.
وحتى تدرك الرياض تلك الحقيقة، ستبقى لوحات مطاراتها ومؤشرات أسواقها وخسائرها شاهداً على ثمن الحسابات الخاطئة.
