الرئيسية بلوق الصفحة 252

خيرات اليمن المدفونة.. ولماذا لا يريدها الغرب أن ترى النور؟

لم يكن الفقر يومًا قدرًا لليمن، ولا كانت قلة الموارد هي المشكلة الحقيقية لهذا البلد الذي وُصف تاريخيًّا بـ «السعيد».. فاليمن، بعمقه الجغرافي والتاريخي، يجلس فوق أرضٍ تختزن من الخيرات ما يكفي ليغيّر معادلات اقتصادية وسياسية في المنطقة بأكملها، وربما ما يفوق ما هو معروف ومُعلن في دول نفطية مجاورة، كالسعوديّة وغيرها.

غير أن هذه الخيرات ظلت، إلى حَــدٍّ كبير، حبيسة باطن الأرض، لا لعجزٍ يمني، بل لمنعٍ خارجيٍّ مقصود.

الغرب يدرك جيِّدًا أن المشكلة ليست في اليمن، بل في ما يمكن أن يصبح عليه اليمن إذَا امتلك قراره الاقتصادي واستثمر موارده بنفسه.

فدولة يمنية مستقلة، قادرة على استخراج ثرواتها النفطية والمعدنية والغازية، ستكون دولة عصيّة على الابتزاز، خارج معادلة الإملاءات، وغير قابلة لأن تُدار بالـ “ريموت كنترول” من السفارات أَو الشركات العابرة للقارات.

ولهذا، لم تكن الحروب والضغوط والحصار المفروض على اليمن مُجَـرّد ردود أفعال سياسية أَو عسكرية، بل جزء من استراتيجية أعمق: إبقاء اليمن دولةً مُنهكة، تُمنَع من الوصول إلى أدوات النهوض، وتُحاصر حتى في حقها الطبيعي في معرفة ما تحت أرضها.

منع إدخَال آلات التنقيب، وتقييد الشركات، وتعطيل أي مشروع وطني مستقل، كلها حلقاتٌ في سلسلة واحدة عنوانها: «لا يُسمح لليمن أن يكون قويًّا».

لكن التجربة اليمنية، خُصُوصًا في سنوات العدوان والحصار، أثبتت حقيقةً جوهرية: أن هذا الشعب حين تُغلَقُ أمامه الأبواب، لا ينتظر الإذن ليفتحها.

فكما صُنعت منظومات عسكرية محلية تحت القصف والحصار، وكما تحوّلت الحاجة إلى ابتكار في ميادين متعددة، فإن مِلف الثروات ليس استثناء من هذه القاعدة.

إذا مُنعت آلات التنقيب؛ فالإرادَة الصادقة قادرة – بعون الله – على أن تهيّئ العقول والطاقات لصناعة بدائل محلية.

وَإذَا أُغلقت الأسواق، فالاكتفاء الذاتي يصبح خيارًا لا شعارًا.

فالله، جلّ وعلا، لم يجعل النصرَ حكرًا على من يملك الأدوات الجاهزة، بل على من يملك الإرادَة والتوكُّل والعمل: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ من حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ}.

المعركةُ اليوم ليست فقط على الأرض أَو السيادة السياسية، بل على الحق في الثروة، والحق في التنمية، والحق في المستقبل.

والغرب الذي ينهبُ خيراتِ الشعوب باسم «الاستثمار» و«الشراكات» لا يريدُ لليمن أن يخرُجَ من موقع المستهلك التابع إلى موقع المنتج المستقل.

ومع ذلك، فإن الرهان الحقيقي يبقى على الوعي الشعبي والقرار الوطني.

فاليمن الذي صمد في وجه أعتى تحالف عدواني، قادر – بإذن الله – أن يحوّل باطن أرضه من مِلف محاصَر إلى مشروع سيادي، ومن ثروة ممنوعة إلى قوة حاضرة في معادلة التحرّر.

خيرات اليمن ليست أُسطورةً، لكنها مؤجَّلة.. وتأجيلها ليس قدرًا، بل معركة، واليمنيون يعرفون جيِّدًا كيف تُخاض المعارك، وكيف تُحسم، ولو من تحت الأرض.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالله عبدالعزيز الحمران

الخارجية السعودية : تصف تحركات “الانتقالي” في حضرموت والمهرة بالتصعيد غير المبرر

وصفت الخارجية السعودية سيطرة مليشيا الانتقالي على محافظتي حضرموت والمهرة بأنها “تصعيد غير مبرر”، وتمت بشكل أحادي ودون موافقة ما يسمى “مجلس القيادة الرئاسي” أو التنسيق مع ما يسمى “قيادة التحالف”.

وأشار بيان الوزارة إلى أن المملكة عملت مع دولة الإمارات العربية المتحدة لاحتواء الموقف، وجرى إرسال فريق عسكري مشترك من السعودية والإمارات لوضع الترتيبات اللازمة مع “المجلس الانتقالي”، بما يكفل عودة قواته إلى مواقعها السابقة خارج المحافظتين، وتسليم المعسكرات فيها لما يسمى قوات “درع الوطن” تحت إشراف التحالف، لافتاً إلى أن هذه الجهود لا تزال متواصلة، ولا تزال المملكة تعول على تغليب المصلحة العامة بأن يبادر المجلس الانتقالي بإنهاء التصعيد وخروج قواته بسلاسة وبشكل عاجل من المحافظتين.

وتعيش المحافظات الجنوبية الشرقية، ولا سيّما في حضرموت والمهرة، منذ أكثر من شهر حالة من الغليان والتوتر؛ جراء صراع أدوات الاحتلال السعوديّ الإماراتي فيما بينها، حيثُ تمكنت مليشيا الانتقالي من إزاحة مليشيا الإصلاح من المعسكرات والمقرات الحكومية.

ويظهر بيان السعودية مدى التدخل الفج في الشأن اليمني أولاً، ومدى ارتهان الخونة والعملاء للمملكة وعدم قدرتهم على الخروج عن طوعها، كما يؤكد البيان أن المحافظات اليمنية الجنوبية محتلة من قبل السعودية والإمارات.

ويوحي البيان بأن السعودية مقبلة على تدخل ما، لا سيّما إذا استمرت مليشيا الانتقالي في تعنتها ولم تلتزم بتوجيهات الكفيل، وحينها قد نشهد تصعيداً كبيراً، بدأت مؤشراته تظهر على الأرض، من خلال قصف مواقع “الانتقالي” بالطيران.

وترى صنعاء أن ما يحدث في حضرموت والمهرة هو صراع بين أدوات الاحتلال، وهو استكمال للعدوان السعودي الإماراتي الأمريكي الذي بدأ على اليمن في 26 مارس 2015م.

ذا كريدل: اليمن يتحول إلى ميدان صراع نفوذ محتدم بين السعودية والإمارات

كشف موقع “ذا كريدل” في تقرير تحليلي عن تفاقم الخلاف بين السعودية والإمارات، مؤكدًا أن العلاقة التي وُصفت سابقًا بالتحالف الاستراتيجي تحولت إلى صراع نفوذ مفتوح، أصبحت فيه الساحة اليمنية محورًا رئيسيًا للتنافس بين الطرفين.

وأوضح التقرير أن التوتر لم يعد محصورًا في القنوات السياسية، بل تجلّى في تحركات ميدانية متسارعة، حيث تعمل الرياض على تثبيت حضورها في شرق اليمن عبر دعم سلطات موالية لها، في حين تواصل أبوظبي تعزيز نفوذها من خلال المجلس الانتقالي، سعيًا للسيطرة على الموانئ والممرات البحرية الحيوية.

وأشار إلى أن الإمارات وسّعت انتشارها العسكري والسياسي في عدن وشبوة والمهرة، ودفعت باتجاه تقليص الدور السعودي في مناطق تقليدية مثل حضرموت، ما دفع الرياض إلى الرد بتحركات حذرة شملت تعزيز مواقعها والاستعانة بالولايات المتحدة لكبح التمدد الإماراتي.

وربط التقرير بين هذا التصعيد وبين التقارب المتنامي بين السعودية وقطر، معتبرًا أن اتفاقيات التعاون الدفاعي ومشاريع الربط الاستراتيجي بين البلدين تحمل رسائل غير مباشرة تهدف إلى إعادة موازنة النفوذ الخليجي وتقليص الدور الإماراتي.

ونقل الموقع عن محللين أن جذور الخلاف تعود إلى نزاعات قديمة تتعلق بالحدود والنفط والمنافسة الاقتصادية، لكنها تصاعدت مؤخرًا بفعل اختلاف الرؤى السياسية والاقتصادية، إضافة إلى القلق السعودي من تحركات إماراتية تتقاطع مع مصالح إسرائيلية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

كما أشار التقرير إلى معلومات تفيد بأن الرياض لوّحت في عام 2022 باتخاذ إجراءات قاسية ضد أبوظبي، وصلت حد التهديد بفرض حصار اقتصادي، على خلفية خلافات داخل “أوبك+” والتنافس المتزايد بين العاصمتين الاقتصاديتين دبي والرياض.

وخلص “ذا كريدل” إلى أن اليمن يدفع ثمن هذا الصراع الخليجي المتصاعد، في ظل اعتماد الإمارات على أدوات ميدانية مباشرة، مقابل توجه سعودي يركّز على إدارة الصراع سياسيًا للحفاظ على نفوذها الإقليمي.

جمعة رجب.. عيد الأعياد وأولها في اليمن

مناسباتُنا كلُّها دينيةٌ التزامًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، وفي أول جمعةٍ من رجب في العام الثامن للهجرة، أعلن اليمنيون كافةً دخولهم في دين الله أفواجًا استجابةً لله ولرسوله، ولرسولِ رسوله إليهم، فقد اصطفى الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الأمة الرجلَ الثاني في الإسلام، وهي المرة الأولى التي يتسلّم فيها مهمةً غير قتالية، وهي وإن كانت كذلك، إلا أنها تبقى صعبةً بالنسبة لغيره، ولم يكن سوى عليٍّ يليق بالمهمة وحجمها.

وحتى اليوم، يبقى عليٌّ هو عنوانَ الهداية بالنسبة لليمنيين، وعنوانَ عزتهم وكرامتهم، فمن تولّاه منهم اهتدى بهدي الله وساد بذلك على سائر الأمم، ومن حاد عنها كان دينه المال ولو على حساب الإسلام والكرامة، التي هي قدرٌ لكل أبناء الشعب اليمني، وواقع المرحلة يشهد بعظمة من أسلم في جمعة رجب، وبوضاعة من حاد عنها، فهم على دين الوثنية حتى عصرنا الحاضر.

واستحضار الإمام عليٍّ عليه السلام في الوعي اليمني هو استحضارٌ لمنهجٍ كاملٍ في الفهم والموقف والالتزام، حيث اقترن الإيمان بالعدل، والدين بالكرامة، والولاية بالتحرر من كل أشكال الارتهان.

ومن هذا المعنى تشكّلت شخصية اليمني عبر العصور؛ صلبةً في وجه الظلم، عصيّةً على الشراء، لا ترى في المال ولا في السلطان بديلاً عن الحق، ولا تقبل أن يُختزل الدين في طقوسٍ خاوية أو مصالح زائلة.

ومن هنا يتجدد الصراع اليوم كما كان بالأمس، بين خطّ الهداية المتجذر في جمعة رجب، وخطّ الانحراف الذي لم ينتج عبر التاريخ إلا الخضوع والفراغ والانفصال عن روح الإسلام الحي.

ولأن مناسباتنا دينية، فالأولى أن نوليها كلَّ اهتمامنا، فهي إحياءٌ لنعمة الله العظمى علينا، وهي الدخول في دين الله والالتحاق بمسيرة الإسلام التي يقودها خيرُ خلق الله، النبيُّ الخاتم محمد بن عبدالله، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام.

فإحياء هذه المناسبة هو في جوهره تعبيرٌ عن شكر النعمة وصونها من التفريط، وترسيخٌ للوعي بأن الدخول في دين الله لم يكن حدثًا تاريخيًا منقطعًا، بل بداية لمسؤولية مستمرة تتجدد في كل مرحلة.

وهو استحضارٌ لمعنى الالتزام العملي بالإسلام عقيدةً وسلوكًا وموقفًا، بعيدًا عن الشعارات المجردة، وبما يحفظ للأمة مسارها الصحيح، ويمنح الأجيال اللاحقة وعيًا بهويتها، واتصالًا حيًا بجذورها الإيمانية التي شكّلت وجدان اليمنيين منذ فجر الإسلام وحتى اليوم.

وإلى جانب عظمتها الدينية، فهي أيضًا سياسيةٌ بامتياز، فالسياسة من الدين ولا تتأخر عنه، وفي إحيائنا لجمعة رجب رسالةٌ صريحةٌ لكل أعداء الله أننا على عهدنا مع الله ورسوله منذ ذلك التاريخ وحتى آخر أيام الدنيا، وأن كل مشاريعهم لخلق مرجعياتٍ وهميةٍ للشعب اليمني هي فاشلة، ولا أمل في إحيائها، فالشعب اليمني هويته دينيةٌ إيمانية، ولا مجال للعصبيات الجاهلية أن تحيا بيننا، فديننا الإسلام، المشروع العالمي العابر لكل الحدود التي صنعها البشر، وفي الإيمان به التكريمُ الأعظم للإنسانية جمعاء.

وعليه، فإن إحياء جمعة رجب ليس طقسًا عابرًا ولا احتفالًا فولكلوريًا منزوع الدلالة، بل موقفٌ واعٍ يعيد تثبيت البوصلة في زمن الاضطراب، ويؤكد أن اليمن، شعبًا وتاريخًا، لم يكن يومًا فراغًا قابلًا لإعادة التشكيل وفق أهواء الخارج، ولا ساحةً لتجارب المشاريع المستوردة.

إنها مناسبة يُستعاد فيها معنى الانتماء الحقيقي، حيث تتقدّم القيم الإيمانية على كل اعتبار، وتُسقِط كل محاولات التفكيك والتغريب، وتُجدد العهد بأن المرجعية التي صاغت هوية اليمنيين منذ دخولهم الإسلام ستبقى هي الحاكمة لمسارهم، مهما تنوّعت أدوات الاستهداف وتبدّلت عناوينه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد محسن الجوهري

جمعة رجب.. هُـوية الإيمان ومسؤولية الانتماء

تأتي جمعةُ رجب كُـلّ عام لتعيد إلى الذاكرة اليمنية صفحةً ناصعةً من أنصع صفحات التاريخ، فيومها لم يكن عابرًا في مسيرة الشعب، بل كان تحولًا إيمانيًّا عظيمًا رسم ملامح الهُـوية اليمنية، وربطها بالإيمان والحكمة والولاء والوفاء لله ورسوله وللإمام علي وللسيد القائد العلم.

لقد خُصَّ أهلُ اليمن بفضلٍ عظيم على لسان الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: «أتاكم أهل اليمن، هم أرقُّ قلوبًا وألينُ أفئدةً»، وقال صلوات الله عليه وآله: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية والفقه يمان».

هذا ليس مُجَـرّد توصيف، بل وسام شرف إلهي ونبوي، كما يؤكّـد السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي (يحفظه الله) بقوله: «(الإيمان يمان)، هذا وسام شرف كبير وفضل عظيم»، موضحًا أن عزة الشعب اليمني نابعة من عزة إيمانه، ومن مواقفه التي تتجلى فيها الشجاعة والكرامة والشرف.

إن جمعة رجب هي عيد الهُـوية والتحرّر.

فهي ليست ذكرى تاريخية فحسب، بل هي عيدُ الأعياد، وعيدُ اليمنيين الأمجاد، اليوم الذي أصبح عنوانًا لشعبٍ أعلن إسلامه طوعًا، دون قهر أَو سيف، فكان دخوله في الإسلام دخول إيمان وبصيرة، لا تبعية ولا خضوع.

وفي هذا المعنى، يؤكّـد السيد القائد أن: «الهُـوية مسألة مهمة جِـدًّا، مسألة في غاية الأهميّة».

ولذلك جعل من جمعة رجب محطة رئيسية لترسيخ الهُـوية، والحفاظ عليها، وتعزيز الوعي بأهميتها جيلًا بعد جيل، حتى يواصل الأحفاد ما بدأه الآباء والأجداد في حمل رسالة الإسلام والقيام بمسؤولياتها.

إن الإيمان الذي ميّز اليمنيين عبر التاريخ لم يكن شعارًا يُرفع، بل موقفًا يُجسَّد، وعملًا يُترجم في مواجهة الطغيان والظلم.

فـيمن الإيمان والحكمة، كما يؤكّـد السيد القائد، هو شعب القيم والوفاء، لا يخشى إلا الله، ويتحدى كُـلّ الطغاة.

وفي هذا السياق، تتكامل بصيرة الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي (رضوان الله عليه) حين قال: «من رضي لنفسه بأن يظل جامدًا فكل شيء لن يكون له قيمة لديه..

متى شعرت بتحمل المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى، أن تكون من أنصار دينه، أن تكون من العاملين في سبيله، حينها ستعرف قيمة كُـلّ شيء».

وهي دعوة صريحة لأن يكون الإيمان حركةً ومسؤوليةً ونهجًا حيًّا.

إن الاحتفاء بجمعة رجب هو فرحٌ مشروع، لكنه ليس فرحًا ماديًّا، بل فرحٌ بالفضل الإلهي والهداية، كما يقول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.

هو فرحُ الانتماء لدينٍ عظيم، وهُـويةٍ أصيلة، ومسؤوليةٍ تاريخية حملها اليمنيون عبر القرون، وكان لهم فيها دورٌ مميز في نصرة الإسلام وحمل رسالته.

فجمعة رجب هي عهدٌ متجدد، كما قال السيد القائد في كلمته بتاريخ 19 فبراير 2021م: «جمعة رجب صفحة بيضاء ناصعة من الصفحات المشرقة في تاريخ شعبنا اليمني المسلم العزيز..

وترتب عليها التحول التاريخي الكبير في الاتّجاه الإيماني العظيم».

ومن هنا، فإن جمعة رجب ليست ذكرى تُستحضَر فقط، بل عهدٌ يُجدَّد، بأن تظل الهُـويةَ الإيمانية حاضرة، وأن يبقى اليمن ـ كما كان ـ يمن الإيمان والحكمة، ثابتًا على الحق، حرًّا في مواقفه، وفيًّا لرسالة الله، ومتصدرًا لمواجهة الطغيان مهما عظمت التحديات.

كل جمعة رجب، واليمن أكثر إيمانًا، وأكثر وعيًا، وأكثر ثباتًا وانتصارًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالله علي هاشم الذارحي

اتفاق الأسرى ليست نهاية الصراع بل بداية الانكشاف

الأسرى والمعتقلين اليمنيين.. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومابدلوا تبديلا
الأسرى والمعتقلين اليمنيين.. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومابدلوا تبديلا

لم تكن اتفاقُ الأسرى في مسقط محطةَ ختام للصراع، ولا يمكن قراءتها بوصفها لحظة سلام مكتملة، بقدر ما كانت لحظة انكشاف سياسي شامل، سقطت فيها الأقنعة وتبددت الأوهام، وظهر فيها جوهر المعركة كما هو: صراع إرادات، لا نزاع إجراءات.

فمن يظن أن الانتقالَ إلى طاولة التفاوض يعني انتهاءَ الصراع، يغفل أن الصراعات الكبرى لا تُقاس بتوقيع الاتّفاقات، بل بمدى التزام الأطراف بجذور القضايا التي فجّرتها.

لقد جاءت اتفاق مسقط نتيجة حتمية لمسار طويل من الفشل العسكري والسياسي للرياض، لا ثمرة قناعة أخلاقية أَو مراجعة مبدئية.

فبعد سنوات من العدوان والحصار، لم تحصد السعوديّة سوى استنزاف استراتيجي، وانكشاف أمني، وتآكل في صورة القوة التي حاولت ترسيخها.

وعندما سقط خيار الحسم بالقوة، لم يبقَ أمامها سوى خيار التفاوض، ولكن من موقع مغاير تمامًا لما بدأت به الحرب.

وهنا يتجلى الانكشاف الحقيقي: انكشاف حدود القوة، وانكشاف زيف الرهان على الزمن.

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أكثر النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

اتفاقية مسقط لم تكشف فقط مأزق الرياض، بل كشفت أَيْـضًا طبيعة الصراع ذاته.

فالقضية لم تكن يومًا خلافًا سياسيًّا عابرًا، بل مشروع عدوان استهدف السيادة والقرار والهُـوية.

ولذلك فإن الملفات المطروحة على طاولة التفاوض ـ من الحصار والرواتب والموارد والضمانات ـ ليست بنودًا قابلة للمساومة، بل حقوقًا سيادية لا تسقط بالتقادم.

إن محاولة تجزئة هذه القضايا أَو تأجيلها ليست سوى امتداد للحرب بأساليب ناعمة، وهو ما يجعل مسقط بداية اختبار حقيقي للنوايا، لا نهاية للصراع.

كما كشفت مسقط زيف الخطاب الدولي الذي طالما اصطف خلف العدوان، فإذا به اليوم يتعامل مع صنعاء كطرف حاسم، لا يمكن تجاوزه ولا القفز على مطالبه.

هذا التحول لم يكن منحة سياسية، بل نتاج معادلة ردع فرضها اليمن بثباته، وأجبر خصومه على إعادة الحسابات.

وفي هذا السياق تتجلى سنن الله في الصراع، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التفاوض ذاته، بل في وهم الاطمئنان المبكر.

فالتجربة أثبتت أن الرياض بارعة في إدارة الوقت، والمناورة تحت العناوين الإنسانية، دون التزام جذري بإنهاء العدوان.

ولذلك فإن الوعي السياسي يفرض التعامل مع مسقط كمرحلة انكشاف لا مرحلة استرخاء، وكجولة صراع سياسي لا تقل أهميّة عن جولات الميدان.

قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، والإعداد هنا لا يقتصر على السلاح، بل يشمل الوعي واليقظة والثبات على الموقف.

خلاصة المشهد أن مسقط وضعت الجميع أمام الحقيقة العارية: اليمن لم يُهزم، ولم يأتِ إلى التفاوض مكسورًا، بل دخل من موقع الندّية وفرض الاستحقاقات.

فإن التزمت الرياض بإنهاء العدوان ورفع الحصار واحترام السيادة، كانت مسقط بوابة سلام حقيقي.

وإن اختارت المراوغة، فستكون اتفاقيةَ مسقط بداية انكشاف جديد يسرّع سقوط ما تبقى من رهاناتها.

وفي الحالتين، يبقى اليمنُ ثابتًا على وعد الله: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أصيل علي البجلي

المقاومة الفلسطينية بين البطولة في الميدان ووَهْم “المصالحة” مع قوى “التنسيق الأمني”

خالد بركات

أثبتت المقاومة الفلسطينية، خلال حرب الإبادة المُستمرّة، قدرتَها العالية على الصمود والمبادرة، ونجحت في ترسيخ حضورها بوصفها الفاعلَ المتقدمَ في مواجهة المشروع الصهيوني الاستعماري.

غير أنّ هذه الحقيقةَ، على أهميتها، لا تُلغي أزمة جوهريةً تعاني منها الحركةُ الوطنية الفلسطينية عُمُـومًا، وفي القلب منها المقاومةُ المسلحة على وجه الخصوص: غيابُ المشروع السياسي التحرّري، وغيابُ الجبهة الوطنية القادرة على تحويل الفعلِ المقاوِم إلى مسار تحرُّري سياسي واجتماعي شامل.

فلا يمكن لأية حركة تحرّر تواجه استعمارًا استيطانيًّا إحلاليًّا أن تنتصر بالبطولة العسكرية وحدَها، مهما بلغت تضحياتُها، إن لم تكن هذه البطولةُ مسنودةً برؤية فكرية وسياسية واضحة، وباستراتيجية وطنية يشارك الشعب في صياغتها، تُحدّد الهدف، وتدير الصراع، وتمنعُ الالتفافَ على الإنجازات.

غياب الجبهة الوطنية الموحَّدة بعد موت منظمة التحرير

لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية، في لحظة تأسيسها، مُجَـرّد إطار تمثيلي شكلي، بل كانت جبهة وطنية جمعت مختلف الطبقات الاجتماعية وقوى الثورة في مواجهة الاستعمار الصهيوني.

غير أنّ هذا الدور انتهى عام 1974 (تبني شعار الدولة بدل التحرير) ثم انتهى عمليًّا مع مسار أوسلو (1993)؛ حَيثُ جرى تفريغ المنظمة من مضمونها التحرّري، وتحويلها إلى جسم منزوع الإرادَة، خاضع لمنظومة السلطة والتزاماتها الأمنية.

اليوم، لم تعد منظمة التحرير تُشكّل جبهة وطنية، بل تحوّلت إلى “ختم” ويافطة سياسية تُستخدم لتوفير غطاء شكلي لقوى التنسيق الأمني، وشرعنة مسار سياسي منقطع كليًّا عن مصالح الشعب الفلسطيني وتطلعاته التحرّرية.

هذا الموت السياسي للمنظمة خلق فراغًا وطنيًّا خطيرًا، يتمثل في غياب جبهة وطنية قادرة على إدارة الصراع بوصفه صراع وجود، لا نزاعًا على سلطة وصلاحيات.

وفي ظل هذا الفراغ، تعمل قوى المقاومة دون إطار وطني موحِّد، ما يجعل فعلها، رغم بسالته، عُرضة للتجزئة والاستنزاف، ويمنعُ تحويلَ الإنجازات الميدانية إلى رصيد سياسي تحرّري متراكم.

ارتباك قوى المقاومة أمام وَهْمِ “المصالحة” و”الوحدة الوطنية”

تُظهِرُ قوى أَسَاسية في المقاومة ارتباكًا سياسيًّا واضحًا في مقاربتها لمسألة ما يُسمّى “الوَحدة الوطنية”؛ حَيثُ يجري الخلطُ بين الوحدة على أَسَاس برنامج ثوري تحرُّري واضح، وبين الشراكة مع قوى السلطة والتنسيق الأمني.

هذا الخلط لا يُنتج وَحدة، بل يخلق وهمًا سياسيًّا يُكبّل المقاومة بدلًا عن أن يعزّزها، ويصبّ في مصلحة قوى مهزومة وطبقات باعت فلسطين؛ مِن أجلِ تأمين امتيَازاتها الطبقية.

إنّ السعي إلى وحدة مع قوى ثبت بالوقائع دورها الوظيفي في “ضبط الشارع الفلسطيني” وحماية أمن الاحتلال، لا يمكن أن يكون مدخلًا للتحرير، بل يعكس غياب الرؤية السياسية لدى بعض قوى المقاومة في تحديد طبيعة المرحلة، والعدوّ الرئيسي، وحدود التناقض.

الضعف أمام التحالفات الإقليمية وحدودها

لا يمكن فصل أزمة المشروع السياسي للمقاومة عن علاقتها بتحالفاتها الإقليمية، وبخَاصَّة مع قطر وتركيا ومصر.

فهذه العلاقات، رغم ما توفّره من هوامش “دعم” أَو حركة، تفرض في المقابل قيودًا سياسية واضحة، وتدفع المقاومة إلى مراعاة حسابات أنظمة لا تنظر إلى فلسطين من زاوية التحرير، بل من زاوية إدارة الصراع وتدويره.

إنّ الارتهان النسبي لهذه التحالفات يضعف استقلالية القرار السياسي للمقاومة، ويحدّ من قدرتها على بلورة خطاب تحرّري جذري؛ فالدول المذكورة، مهما اختلفت أدوارها، تظل حليفةً لأمريكا، وتشترك في السعي إلى ضبط المقاومة لا إلى تفجير طاقاتها.

وَهْمُ “الدعم العربي” ودور النفط في تخريب الثورة

تقول التجربة التاريخية إن ما سُمّي بـ“الدعم العربي الرسمي” لم يكن سوى وصفة لتخريب الثورة الفلسطينية وإفساد بنيتها القيادية؛ حَيثُ استُخدم أدَاة للضبط والاحتواء.

لم يكن المال النفطي دعمًا بريئًا، بل وسيلة لإعادة هندسة القيادة، وتشجيع البيروقراطية، وإضعاف الطابع الشعبي الكفاحي، وتحويل الثورة إلى جهاز يعتمد على التمويل الخارجي ويخضع لشروطه.

هكذا انتقل الخطاب الفلسطيني من “الثورة” إلى “الدولة” إلى “السلطة” وُصُـولًا إلى العدم.

وبالتوازي، تعرّض الفلسطينيون في الشتات لعملية مصادرة ممنهجة لدورهم التاريخي.

جرى تدجين سلاحهم، وتدمير اتّحاداتهم النقابية، وتحويلها إلى هياكل شكلية خاضعة لشروط الدول المضيفة.

يُراد لهم أن يكونوا “جاليات” بلا دور سياسي، في حين أنّ الشتات كان ولا يزال العمود الفقري لأي مشروع تحرُّر فلسطيني.

خلاصة

إنّ على المقاومة الفلسطينية أن تُقدّمَ للشعب الفلسطيني مشروعَها السياسي الوطني الشامل، بوصفه استحقاقا فرضته التضحيات.

وليس مطلوبًا منها العودةُ إلى ما سُمّي بـ“المصالحة”، فما جرى بعد السابع من تشرين الأول/أُكتوبر قد جبّ ما قبله.

اليوم، نحنُ أمامَ شرعية ثورية جديدة مدعومة بشرعية شعبيّة واسعة، وأخطرُ ما يمكنُ أن تواجهَه المقاومة هو أن تظل متفرجة على الألغام التي تُزرع لتفريغِ منجزات “طوفان الأقصى” على يد واشنطن وكيان الاحتلال وأنظمة التطبيع ومَن فقدوا ضميرهم الوطني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خالد بركات

(مانديلا) العرب..!

حين يُقْدِمُ حاكمٌ عربي على التماهي مع المشروع الصـهيوني والتفاني في خدمة كيانه المجرم الغاصب والمحتلّ على حساب مصالح الأُمَّــة ووَحدتها وأمنها واستقرارها، برأيـــــــكم، ماذا يكون..؟

هل هو بذلك يكون فارسًا عربيًّا شجاعًا..؟ أَو قائدًا فذًّا هُمامًا..؟ أَو ملكًا معظمًا أَو زعيمًا ملهمًا؟! هل يكون (مانديلا) مثلًا؟! بصراحة، إن كان يعتقد شيئًا من ذلك، فهو وكل من يؤمن أَو يعتقد مثله واهمٌ جِـدًّا..!

(فمانديلا) لم يطعن قومه وأمته من الخلف..! (مانديلا) لم يتاجر يومًا بقضية قومه السود لصالح (البريتوريا) العنصرية، أَو يساوم عليها أَو يخنها بأي حالٍ من الأحوال، وتحت أي ظرف من الظروف..! (مانديلا)لم يُدر ظهره لمعاناة بني جلدته، ويذهب وحيدًا ليوقِّعَ مع (البريتوريا) العُنصرية اتّفاقًا “إبراهيميًّا” أَو معاهدة سلام أَو اتّفاق تطبيع، أَو أي شيء من هذا القبيل..

لقد كان بإمْكَانه فقط أن يقولَ عن المقاومين السود أنهم إرهابيون مثلًا، أَو أن يصفَهم بالانتهازيين أَو المتمردين والمخربين؛ ليسكنَ وحدَه القصورَ ويحيا حياةَ الملوك المترفين، لكنه لم يفعل أَو يساوم..

بل آثر على ذلك السجن والعذاب.

نعم، آثر أن ينفقَ من عُمره سَبْعًا وعشرين عامًا سجينًا على أن يفرِّطَ بمبادئه وقيمه وحقوق شعبه من بني جِلدته..

فكم، برأيــــكم، أنفق (محمد بن زايد) من عمره وجهده في سبيل أمته وبني جلدته حتى الآن..؟ فقط سمّوا لي دقيقةً أَو ثانيةً واحدة أنفقها من عمره في سبيل الأُمَّــة، وسأُبايعه الآن قائدًا ورمزًا للأُمَّـة..

سمُّوا لي لحظةً واحدةً فقط أنفقها من عمره وجهده؛ مِن أجلِ فلسـطين، وسأدعوه (مانديلا) العرب..

أتحداكم..

أما أن يأتي ويضع نفسَه موضعَ المقارنة مع (مانديلا)، لا لشيء فقط سوى أنه قد بالغ في انبطاحه وانحطاطه وتماهيه مع المشروع الصـهيوني، فهذا ضرب من الجنون..

إنه، بصراحة، يذكرني بالأخت (توكل كرمان) التي حصلت على جائزة (نوبل) للسلام دون أن يعلم لها العالم شيئًا قدمته للسلام أَو ضحت به مِن أجلِ السلام..!

على أية حال، ستتحرّر فلسـطين يومًا..

وستسقط الأقنعة وتتكشف كُـلّ الأوراق والوجوه..

وسيُكتب التاريخ..

آه.. لو يدري حاكم (أبوظبي) وحكام (الإمارات) السبع ماذا سيكتب التاريخ عنهم؟ وكيف سيذكرهم العرب؟ كيف سيذكرهم (الإماراتيون) أنفسهم إن بقي لهم هنالك (إمارات) أَو (مشيخات) أصلًا..؟

فطوبى لمن لم يُطَبِّع أَو ينبطِحَ للأجنبي..! طوبى لفلسـطين، بوابة الحق وأيقونة النصر والسلام..!

قللك (مانديلا) العرب.. قال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالمنان السنبلي

الإعلام الرقمي وصراع الوعي الإنساني

لم يعد الإعلام، خُصُوصًا في عصر المِنصات الرقمية ووسائل التواصل، مُجَـرّدَ وسيلة لنقل الأخبار أَو التعبير عن المواقف، بل تحوَّل إلى ساحة صراع حقيقية تُحسَمُ فيها معارك السرد والتأثير قبل أن تُحسَمَ على الأرض، بل وقد تفسد ما يمكن أن يُحسَمَ على الأرض.

ولم يعد الانتصار حكرًا على من يملك القوة فقط، بل صار من نصيب من ينجح في رواية قصته بالطريقة العصرية التي يفهمُها جيل اليوم، ويقبلها، وتؤثر في سياق صناعة الرأي العام العالمي.

في نموذج كَيان الاحتلال الصهيوني، لا ينفصل الإعلام عن مفهوم الأمن القومي؛ فالسردية هناك لا تترك للمصادفة ولا تُبنى كرد فعل، بل تُخطط مسبقًا وتُدار ضمن تنسيق محكَم بين المؤسّسات السياسية والعسكرية والدبلوماسية.

ويظهر ذلك بوضوح في التركيز المكثّـف على الإعلام الرقمي الجديد، حَيثُ يتسابق أثرياءُ يهود، حتى من خارج كَيان الاحتلال، على الاستثمار في المِنصات الأكثر تأثيرًا وانتشارًا.

ومن ذلك أخيرًا استثمارات لمجموعات أمريكية مرتبطة، سياسيًّا وثقافيًّا بـ ”إسرائيل” في مِنصات كبرى مثل “تيك توك”؛ لما تتيحُه هذه المِنصاتُ من لُغة بصرية وعاطفية عالية التأثير، وقدرة كبيرة على تكييف الرسائل بحسب الفئات المستهدفة ومراكز التأثير.

في المقابل، يعتمد إعلامُ الجبهة المناهضة للاحتلال غالبًا على منطق تعبوي أخلاقي، يرتكز على خطاب المقاومة والاصطفاف القيمي في مواجهة الظلم والهيمنة.

هذا الخطاب يمتلك قوةً معتبَرةً في التعبئة داخل البيئات المؤمنة بعدالة القضية، لكنه يواجه صعوبةً حقيقية في اختراق الرأي العام الغربي أَو التأثير في دوائر صنع القرار؛ وليس ذلك لضَعف القضية، بل لأن لغتَه لا تنسجمُ دائمًا مع منطق الإعلام الحديث وأدواته.

الفارق الجوهري بين النموذجين لا يكمن في عدد الرسائل ولا في كثافتها، بل في إدارة السردية نفسها؛ فهناك خطاب صادر عن آلة تبييض سياسي تعمل ضمن منظومة تبرير “إمبريوصهيونية” تُدار بعقلية هيمنة، يُعاد فيها إنتاج الإبادة بوصفها ضرورة أخلاقية، وتسويق العدوان كقيمة.

هذه السردية مرنة، يُعاد تكييفُها وتسويقُها باستمرار.

في المقابل، يعتمد إعلامُ المدافعين عن القضايا العادلة على سردية موحَّدة نسبيًّا، وهو ما قد يحدّ من مرونته وقدرته على التفاعل بفعالية مع جمهور عالمي متنوّع ومتغير.

وهنا تكمن المعضلة في زمن الصورة والرسالة شديدة التشويق؛ فالإعلام لا يكافئ بالضرورة من يملك القضية الأعدل، بل من يعرف كيف يقدمها ضمن الإطار الذي يفهمه ويتفاعل معه الجمهور المستهدف.

ولذلك لم تعد معركة السرد مسألة هامشية، بل أصبحت جوهر الصراع نفسه، وأمام هذا الواقع، لا يكفي الغضب، ولا تكفي النيات الطيبة.

المطلوب اليوم هو حركة إعلامية تعبئ الفراغ الثقافي بلغة إنسانية جامعة؛ مقاومة تبني وعيًا، تفكك الصور، تفضح التلاعب بالمفاهيم، وتعيد الاعتبار للحقيقة في وعي الجماهير، بحيث تجهض مشاريع التضليل قبل أن تترسخ، في زمن صار فيه صانع المحتوى المؤثر أحيانًا أخطر من القناص، وصار فيه مقطع قصير أَو قصة إنسانية قادرة على تحريك ملايين.

كل محتوى يسائل الرواية ويفضح الحياد الزائف، وكل صوت يختار الوقوف مع الإنسان ضد الظلم، هو جزء من معركة الوعي.

هذه الأصوات يجب استقطابُها والتقاطُعُ معها في مواجهة الوحشية واللا إنسانية، حَيثُ يجري اختزالُ الإنسان إلى قيمة دونية في عقيدة الهيمنة التلمودية.

ويبقى السؤال المؤلم: لماذا ما زالت جبهة الوجود العادل، وقوى محور التحرّر، وجبهتها الإعلامية، غائبةً عُمُـومًا عن الإعلام الرقمي برؤية مهنية تقرأ جيلَ اليوم وتفهمَ أدواته؟ لقد تغيَّر العالم بسرعة، بينما لا تزال كثير من المؤسّسات الإنسانية والخيرية والمرجعيات الدينية والفكرية ودولنا وحركاتنا السياسية تعمل بمنطق قديم، يركّز على الوعظ أكثر من التأثير، وعلى الصدقة الآنية أكثر من الاستثمار طويل الأمد في الوعي.

كيف أصبح الإنسان، وهو محور الرسالات السماوية، فريسةً للخوارزميات التي يعاد من خلالها تشكيل وعيه بما يخدم مصالح قوى متوحشة بينما نحن نتفرج! القوى المهيمنة لا تخشى مواسمَ الخير ولا خطب المواعظ، لكنها تخشى إنسانًا واعيًا يفهم كيف يدارُ التضليل، ويميِّز بين السردية المصطنعة والفبركات التي تفوحُ منها رائحةُ النفط والغاز.

واقعُ السنوات الأخيرة يؤكّـد أن مِنصاتِ الإعلام الرقمي أصبحت أدَاةً مركزية في توجيه الرأي العام العالمي وصياغة المواقف السياسية؛ إذ أثبتت الحروب الحديثة وحملات التضامن العابرة للحدود قدرة المحتوى الرقمي على تغيير اتّجاه النقاش العام والضغط على الحكومات وإعادة تعريف الضحية والجلاد في وعي الجمهور.

ويعكس تصريح رئيس وزراء كَيان الاحتلال بنيامين نتنياهو هذا التحوُّل بوضوح؛ إذ أقرّ بأن المحتوى المتداولَ عبر المِنصات الرقمية أصبح من أهم الأدوات المؤثرة في ساحات الصراع المعاصرة، ويؤكّـد ذلك أن الاستثمار في الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى باتا ضرورةً استراتيجيةً ضمن صراع الوعي.

وفي هذا السياق، يبرز القلقُ في المعسكر الأمريكي من تشكل رأي عام إنساني عالمي عابر للهُويات الدينية والعرقية، يقوم على قيم مثل الكرامة والحرية ورفض الظلم، وهو تصور سبق أن عبّر عنه مؤسّس الجمهورية الإسلامية في إيران، روح الله الخميني، من خلال تقسيمه الرمزي للعالم إلى (معسكر المستكبِرين) وَ(جبهة المستضعَفين) في حين كان الفقهاء يقسمون على أَسَاس دار الكُفر ودار الإيمان.

الإعلام انتقل.. فهل انتقلنا معه؟ المستقبل يُصنَع اليوم على شاشة صغيرة، في جيب طفل، وفي عقل شاب يبحثُ عن معنى، وإن لم نصنع الوعي، صُنع لنا.. وفهمكم كفاية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. عبد الرحمن أبو سنينة

الإمارات تنفّذ أجندة صهيونية في اليمن.. إلى متى الانتظار؟

CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v62), quality = 100

لم يعد خافيًا على أحد أن ما يجري على الأراضي اليمنية يتجاوزُ حدودَ التدخُّل السياسي أَو العسكري التقليدي؛ ليتحول إلى مشروع نفوذ متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه المصالح الإقليمية مع الأجندة الصهيونية، تحت عناوينَ براقة مثل “مكافحة الإرهاب” و”حفظ الأمن” و”حماية الملاحة الدولية”.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: إلى متى سيبقى اليمن ساحةً مفتوحةً لتنفيذ هذه الأجندات؟

لقد أثبتت الوقائع خلال السنوات الماضية أن الدور الإماراتي في اليمن لم يكن جزءًا من مشروع استقرار أَو إعادة بناء، بل اتجه بشكل متدرج نحو السيطرة على المواقع والجزر والموانئ الاستراتيجية، وعلى رأسها سقطرى وميون، بما يخدم حسابات جيوسياسية تتقاطع بوضوح مع الرؤية الصهيونية الساعية لإحكام السيطرة على الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب.

ولا يمكن فصل هذا التمدد عن مسار التطبيع العلني مع كَيان الاحتلال الصهيوني، الذي فتح الباب أمام تعاون أمني واستخباراتي واسع، لم يقتصر على حدود الإمارات، بل امتد إلى الساحات العربية الهشة، وفي مقدمتها اليمن.

فإقامة القواعد العسكرية، ونشر منظومات المراقبة، والتحكم بالمنافذ البحرية، كلها مؤشراتعلى مشروع إقليمي يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يضمن التفوق الصهيوني طويل الأمد، ولو كان ذلك على حساب سيادة الدول واستقرار شعوبها.

وأخيرًا، جاء التحَرّك الإماراتي في حضرموت ليكشف بوضوح البُعد الاقتصادي لهذا المشروع؛ حَيثُ لم يعد الأمر متعلقًا بالتموضع العسكري فحسب، بل بالتمهيد للاستحواذ على الثروات النفطية والغازية، خُصُوصًا في محافظة شبوة، التي تمثل أحد أهم مصادر الطاقة في اليمن.

والأكثر إيلامًا في المشهد أن هذه الأجندة لا تنفَّذُ فقط بقوىً خارجية، بل بأيدٍ يمنية للأسف، جرى توظيفُها سياسيًّا وأمنيًّا لتسهيل السيطرة على الموارد، ومنح الغطاء المحلي لنهب الثروة الوطنية تحت مسميات مضللة.

إن استخدامَ أدوات محلية يمنية في تمرير هذه المشاريع لا يقل خطورةً عن التدخل الخارجي ذاته؛ لأَنَّه يضرب مفهوم السيادة من الداخل، ويحوِّلُ أبناء الوطن إلى وسطاءَ في مصادرة مستقبل بلدهم.

فبدلًا من أن تكونَ الثروة النفطية والغازية رافعة للتنمية، ومخرجًا من الانهيار الاقتصادي، تحوَّلت إلى وقود لصراعات داخلية، ومصدر تمويل لمشاريع إقليمية لا تمت بصلة لمصلحة اليمن ولا لكرامة شعبه.

إن الصمت العربي، والتراخي الدولي، والتعاملَ مع اليمن كمِلف ثانوي، شجَّع على المضي قدمًا في هذه السياسات دون مساءلة حقيقية.

لكن التجربة التاريخية تؤكّـد أن الشعوب لا تنسى، وأن المشاريع المفروضة بالقوة، مهما طال زمنها، مصيرها السقوط أمام وعي الشعوب وصلابتها.

اليوم، لم يعد الانتظار خيارًا، ولم يعد الصمت حيادًا، بل بات شكلًا من أشكال التواطؤ غير المباشر مع مشروع يستهدفُ الأرض والإنسان والثروة.

المطلوبُ موقفٌ وطني واعٍ، يفضحُ الأجندات، ويُعِيدُ الاعتبارَ للسيادة، ويحمي مقدراتِ اليمن من العبث، بعيدًا عن الوصاية والتوظيف الخارجي.

فاليمن لم يكن يومًا أرضًا بلا شعب، ولا وطنًا بلا ذاكرة، ومن يراهن على كسر إرادَة اليمنيين أَو طمس وعيهم، إنما يكرّر أخطاءَ التاريخ ذاتها.. والتاريخ لا يرحم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. ناصر البداي