أكدت مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، في قراءة استراتيجية لافتة، أن اليمن بات لاعبًا مركزيًا في إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية، وأن صنعاء نجحت في تقويض النظام الأمني الذي ظلّ خاضعًا لهيمنة الولايات المتحدة والعدو”الإسرائيلي” لعقود، مستفيدة من تداعيات معركة غزة وتحوّلات البحر الأحمر.
وأشارت المجلة إلى أن وقف إطلاق النار في غزة خلال أكتوبر الماضي لم يكن حدثًا معزولًا، بل انعكس مباشرة على البحر الأحمر واليمن، حيث أوقفت صنعاء عملياتها ضد السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني ضمن معادلة واضحة: غزة مقابل الملاحة. كما لفتت إلى أن تفاهمات غير معلنة بوساطة عُمانية بين صنعاء وواشنطن خفّفت مؤقتًا من استهداف المصالح الأمريكية، في وقتٍ اعتقد فيه صناع القرار الأمريكيون أن اليمن دخل مرحلة “هدوء يمكن تجاهلها”.
غير أن هذا التقدير، وفق المجلة، انهار سريعًا. ففي أقل من شهرين، تفجّرت الأوضاع جنوب اليمن مع تحركات مدعومة إماراتيًا للمجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة، ما فجّر صراع نفوذ حاد مع السعودية، وفتح الباب أمام مرحلة إقليمية أكثر هشاشة. وهنا، تؤكد المجلة أن صنعاء لم تقف موقف المتفرج، بل أعلنت بوضوح استعدادها لتوسيع سيطرتها على مناطق النفط والغاز شرق البلاد، باعتبارها جزءًا من معركة السيادة الوطنية.
وتلفت “فورين أفيرز” إلى أن القوات المسلحة اليمنية خاضت خلال السنوات الأخيرة سباقًا صامتًا لتطوير قدراتها العسكرية، شمل تصنيع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بعيدة المدى محليًا، والوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في التجميع والتطوير. وبحسب المجلة، فإن صنعاء لا تُخفي مشروعها الاستراتيجي القائم على تحرير كامل الجغرافيا اليمنية، ومواصلة المواجهة المفتوحة مع “العدو الإسرائيلي” والولايات المتحدة وحلفائهما الإقليميين.
وتقرّ المجلة بأن حرب غزة شكّلت نقطة تحوّل مفصلية في الجرأة اليمنية، حيث قلبت صنعاء قواعد الاشتباك الإقليمي، وحققت مكاسب ملموسة من تحدي الإرادة الأمريكية. وتوضح أن قدرات اليمن العسكرية شهدت قفزات نوعية؛ فبعد أن كانت الصواريخ اليمنية في بدايات الحرب عاجزة عن بلوغ العمق الإسرائيلي، أصبحت بحلول مايو 2025 قادرة على ضرب مطار بن غوريون، ثم اخترقت الطائرات المسيّرة الدفاعات الجوية في سبتمبر 2025 وضربت إيلات ومطار رامون، موقعة إصابات مباشرة، في سابقة أربكت منظومة الردع الإسرائيلية.
كما تشير المجلة إلى أن صواريخ صنعاء طالت منشآت استراتيجية في ينبع، أحد أهم الموانئ النفطية السعودية، على مسافة تتجاوز 600 ميل من الحدود اليمنية، في رسالة واضحة بأن عمق التحالف لم يعد بمنأى عن الاستهداف. وتؤكد أن الخبرة العملياتية التي اكتسبها اليمنيون في معركة البحر الأحمر وغزة سمحت لهم بتحسين دقة الضربات واختبار أسلحة متقدمة، بينها صواريخ باليستية برؤوس عنقودية.
وفي نقد مباشر لواشنطن، تصف المجلة السياسة الأمريكية تجاه اليمن بأنها غارقة في التناقض؛ إذ وفّرت التفاهمات مع صنعاء مخرجًا سريعًا من عملية عسكرية مكلفة تجاوزت مليار دولار واستنزفت القدرات البحرية الأمريكية، لكنها فشلت في ردع اليمن عن مواصلة استهداف “كيان العدو الإسرائيلي” أو فرض معادلاته في البحر الأحمر، كما لم تنتج أي استراتيجية طويلة الأمد لحماية المصالح الأمريكية في الممرات البحرية.
وتضيف المجلة أن تراجع اليمن في سلّم أولويات واشنطن يتجلى بوضوح في غياب مبعوث أمريكي خاص، ورفض العودة إلى الصيغة القديمة للتسوية التي كانت تقوم على مقايضة وقف النار بالمكاسب الاقتصادية، من دون طرح بديل حقيقي، ما يترك الساحة مفتوحة أمام تقدم صنعاء سياسيًا وعسكريًا.
وتخلص “فورين أفيرز” إلى أن تصاعد الاضطرابات جنوب اليمن ينذر بأزمة إقليمية أوسع، وأن احتمالات الصدام بين فصائل حكومة المرتزقة الموالية للتحالف قد تصبّ مباشرة في مصلحة صنعاء، سواء عبر توسيع نفوذها الميداني أو فرض وقائع سياسية جديدة. وتحذر من أن أي إعلان انفصال جنوبي – حتى لو أُجّل – قد يسرّع إعادة اصطفاف القوى الشمالية ضد مشاريع التقسيم، بما يمنح صنعاء فرصة تاريخية لترسيخ موقعها كـ قوة فاصلة في مستقبل اليمن والمنطقة.
بهذا التوصيف، تعترف واحدة من أبرز المجلات الاستراتيجية الأمريكية بأن اليمن لم يعد ساحة نزاع هامشية، بل تحوّل إلى مركز ثقل إقليمي، وأن صنعاء باتت لاعبًا يفرض قواعده، لا مجرد طرف يُدار من الخارج.









