تشهد حكومة المرتزقة بقيادة المجلس الرئاسي تصدعًا خطيرًا بعد إعلان عدة وزارات محسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا تأييدها العلني لخطوات عيدروس الزبيدي التصعيدية، الهادفة إلى التمدد عسكريًا في المحافظات الشرقية ودفع مشروع الانفصال. هذا الاصطفاف الوزاري يعكس انتقال الانقسام من مستوى القرار السياسي والعسكري إلى البنية الإدارية للدولة، ما يُعد مؤشرًا على تفكك منظومة الرئاسي وفقدان مركزية القرار.
في المقابل، أصدر مكتب الرئاسة التابع لحكومة المرتزقة توجيهات صارمة من رشاد العليمي إلى الحكومة والأجهزة المختصة باتخاذ إجراءات قانونية ضد أي “تجاوزات تمس وحدة الدولة”، محذّرًا من استخدام المناصب الرسمية لفرض أجندات سياسيّة خارج إطار الشرعية ومرجعيات المرحلة الانتقالية.
ويأتي هذا التصعيد في ظل سباق نفوذ واضح بين جناحي الرئاسي: الانتقالي المدعوم إماراتيًا يوسّع نفوذه ميدانيًا، ويستند إلى اعتراف وزارات وقيادات حكومية تابعة له، ما يعزز مشروعه الانفصالي. بينما العليمي والسعودية يسعيان لاحتواء الانقسام ومنع انتقاله إلى صدام داخلي يهدد ما تبقى من هيكل السلطة.
وتشهد الساحة اليمنية تصاعداً خطيراً في الصراع الداخلي داخل التحالف السعودي–الإماراتي، مع محاولة “الانتقالي” كسب دعم قوى شمالية لتفادي سقوط الهضبة النفطية، ودخول سلطنة عمان على خط المواجهة بعد نشر أبوظبي آلاف المجندين في المهرة، وسط ارتباك دولي متزايد إزاء الانقسام الخليجي واحتمال تفجر مواجهة إقليمية جديدة.
ففي تطور لافت، بدأ المجلس الانتقالي الجنوبي الموالي للإمارات تحركات عاجلة لعقد اتفاقات مع القوى السلفية الشمالية في وادي حضرموت، في محاولة لتأمين موطئ قدم داخل الهضبة النفطية التي تشهد تطويقًا تدريجيًا من قبل فصائل “درع الوطن” المدعومة سعوديًا.
اللقاء الذي جمع رئيس انتقالي حضرموت بزعيم التيار السلفي، يحيى الحجوري، في مدينة سيئون، مثّل بحسب مراقبين محاولة استباقية لتجنب انهيار نفوذ الانتقالي في الشرق، بعد توسع الانتشار العسكري السعودي في مدن العبر وزمخ ومنوخ، في إطار خطة تطويق واسعة تمتد حتى حدود سلطنة عمان.
في المقابل، تشهد العلاقة بين السعودية والإمارات حالة احتقان سياسي غير مسبوقة، عقب مقال كتبه عبد الرحمن الراشد، أبرز المنظرين المقربين من ولي العهد السعودي، أكد فيه أن الرياض وحدها تمسك بـ”عصمة اليمن” وحدةً أو انفصالاً، مما أثار غضبًا واسعًا في أبوظبي، حيث رد مستشار رئيس الدولة عبد الخالق عبد الله باتهام السعودية بتعمد “تهميش الدور الإماراتي جنوب اليمن”.
وتزامن هذا التوتر مع تصعيد دبلوماسي من سلطنة عمان التي لوّحت برد حازم على ما وصفته بـ”التمدد الإماراتي المهدِّد لأمنها القومي”، وذلك بعد أن دفعت أبوظبي بنحو 10 آلاف مجند جديد إلى محافظة المهرة المحاذية للسلطنة. وجاء الرد العماني عبر افتتاحية في صحيفة “عمان” الرسمية، حملت تحذيرات واضحة من مخاطر “التقسيم الإقليمي” وتحويل اليمن إلى ساحة صراع نفوذ.
أما في حضرموت، فقد تحوّل الغضب الشعبي إلى موجة مقاومة متصاعدة ضد الانتقالي؛ حيث شهدت مدينة المكلا مواجهات بين فصائل المجلس وقوى رياضية ومدنية، أبرزها نادي تضامن حضرموت الذي اقتحمته قوات الانتقالي واعتدت على لاعبيه عقب مباراة شكروا فيها السعودية. سياسياً، سحب مؤتمر حضرموت الجامع بيانات التأييد السابقة للمجلس، مجددًا تمسكه باستقلال المحافظة ورفض الوصاية الجنوبية.
وفي شبوة، خرجت تظاهرات جديدة ضد حكومة التحالف، احتجاجاً على تدهور الخدمات وانهيار البنى التحتية، وارتفاع الأصوات المطالبة بمكافحة الفساد وإصلاح التعليم والصحة والطرق، وسط اتهامات مباشرة للإدارة الموالية للتحالف بـ”الإهمال المتعمد”.
من جهة أخرى، اضطر المجلس الانتقالي إلى نقل اعتصاماته من المحافظات الشرقية والجنوبية إلى عدن بعد فشل محاولاته في الحشد الشعبي، في خطوة كشفت انحسار نفوذه وتآكل قاعدته الاجتماعية. ولم تنجح قيادته في حشد سوى بضعة آلاف رغم الدعاية المكثفة لما سُمي “مليونية الانفصال”.
أما على الصعيد الحكومي، فقد فشل الانتقالي في انتزاع دعم وزرائه في حكومة عدن بعد فرض الرياض فيتو يمنع مشاركتهم في اجتماعاته. فلم يصدر التأييد إلا عن وزيرين فقط، في مؤشر على تصدع داخلي وتراجع الثقة داخل الكيان الموالي للإمارات.
في موازاة ذلك، صعد حزب الإصلاح من خطابه ضد الانتقالي، محذراً من اتفاق محتمل بين المجلس وأنصار الله في الشمال، لاستهداف معاقله في مأرب وتعز، واتهم الحزب الانتقالي بتهريب السلاح لصنعاء عبر ميناء عدن، داعياً إلى “تحرير المدينة من الميليشيات الانفصالية”.
على المستوى الدولي، تسود حالة ارتباك أمريكي–بريطاني مع احتدام الصراع السعودي–الإماراتي، إذ تحاول لندن وواشنطن الموازنة بين حليفيهما دون الانحياز لطرف. فبينما ترى بريطانيا أن هدف أبوظبي هو السيطرة على الموانئ والممرات البحرية كـ“جائزة الانفصال”، تصف واشنطن ما يجري بأنه جزء من حرب أوسع لملء الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة.
وفي ختام المشهد، تتكشف ملامح حرب بالوكالة متعددة الأوجه، إذ تتقاطع فيها مصالح النفط والموانئ والسياسة والطموحات الشخصية للحكام الخليجيين، بينما يدفع اليمنيون الثمن. ومع تصاعد المقاومة في حضرموت وتهاوي شعارات الانفصال، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تعد بين شمال وجنوب، بل بين إرادة وطنية حرة ومشاريع احتلال تتخفى خلف أعلام الحلفاء.
