ذات صلة

الأكثر مشاهدة

سقوط الأحلام: كيف سحقت إرادَة الشعوب هذيان أمريكا ومماطلة الغدر؟

يكتسي المشهد السياسي الراهن في المنطقة ملامحَ انعطافة تاريخية...

الضمير العالمي.. بين شعارات الحقائق وخرقان القيم

ليس الضمير العالمي مُجَـرّد كلمة نترنم بها في قاعات...

مضيق هرمز.. اختبار السيادة في مواجهة هندسة البلطجة الأمريكية

يحاول المجرم ترامب، في هذه المرحلة الحسَّاسة من الصراع...

بنت جبيل.. المقبرة التي ابتلعت إنجاز نتنياهو قبل وصوله إلى طاولة واشنطن

لم تكن معركة بنت جبيل مواجهةً تكتيكيةً عابرة، بل...

تعثّر اتفاق قسد والجولاني.. صراع السيادة والموارد يعيد خلط أوراق الشمال السوري

منذ الإعلان عن التفاهم الأولي بين حكومة الجولاني وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بدا واضحاً أن الاتفاق لم يكن نتاج قناعة سياسية راسخة بقدر ما كان محاولة لشراء الوقت وتخفيف الضغوط المتبادلة، فالاتفاق، الذي رُوّج له كخطوة نحو إعادة توحيد البلاد، حمل في داخله تناقضات بنيوية تتعلق بمفهوم الدولة، وحدود السلطة، وشكل السيادة، ومع مرور الوقت، بدأت هذه التناقضات بالظهور إلى السطح، لتتحول من خلافات تقنية إلى صدام سياسي وأمني، انتهى بتعثر المفاوضات وعودة التوتر العسكري في أكثر من منطقة.

جوهر الخلاف: الدولة المركزية في مواجهة الإدارة الذاتية

الخلاف بين الطرفين جوهره سياسي سيادي لا إجرائي، ويتمحور حول من يملك القرار في سوريا؛ فالحكومة المؤقتة تتمسك بمركزية السلطة واحتكار القرارين العسكري والاقتصادي وترى الحكم الذاتي تهديدًا للوحدة، بينما تعتبر قسد نفسها قوة أمر واقع راكمت مؤسسات ونفوذًا خلال الحرب وترفض التخلي عنها دون ضمانات سياسية واضحة، ما يجعل أي اتفاق هشًا وقابلًا للانهيار عند أول اختبار.

إشكالية الشرعية السياسية وحدود الاعتراف

مسألة الشرعية السياسية تبقى سبباً خفياً للخلاف، حيث تعتبر الحكومة قسد قوة مؤقتة فرضتها الحرب، بينما تسعى قسد للحصول على اعتراف سياسي كامل يمثل السكان المحليين. أدى هذا الاختلاف الجوهري إلى جعل أي تفاهم بينهما هشاً ومتوقفاً على توازن القوى المتغيرة، لا على أسس دستورية ثابتة، فتحول الاتفاق إلى هدنة قصيرة سرعان ما تهاوت مع تغير الظروف الميدانية.

النفط والاقتصاد: العقدة الأكثر حساسية

تشكّل موارد النفط في شمال شرق سوريا أحد أخطر نقاط الخلاف، فهي مصدر نفوذ سياسي وعسكري حاسم. تصر الحكومة السورية على ضرورة السيطرة عليها كشرط للسيادة، بينما تعتمد قشد عليها لتمويل إدارتها وقواتها. أدى هذا التعارض المباشر حول التحكم في الاقتصاد المحلي إلى تجميد أي تفاهم بين الطرفين.

البعد الاجتماعي وتأثير الصراع على المجتمعات المحلية

تأثرت المجتمعات المحلية بشكل مباشر بتعثر الاتفاق، حيث تحولت آمالها بالاستقرار وتحسين الخدمات إلى قلق متزايد من عودة الفوضى والانقسامات. وأدى الغموض حول المستقبل إلى شل قدرة المؤسسات المحلية على التخطيط، مما يعمّق حالة عدم اليقين ويخلق بيئة هشّة قابلة للاستغلال من قبل القوى الداخلية والخارجية.

البعد العسكري: الدمج أم التفكيك؟

في الملف العسكري، تتجلى الأزمة بأوضح صورها، دمشق تطالب بحلّ البنية العسكرية لقسد ودمج عناصرها فرادى ضمن الجيش السوري، بما يضمن وحدة القيادة والسلاح، أما قسد فترى في هذا الطرح تهديداً وجودياً لها، وتسعى إلى دمج شكلي يحافظ على تماسكها الداخلي وخصوصيتها القيادية، هذا الخلاف جعل الاتفاق أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى خطة قابلة للتنفيذ، ومع غياب الثقة المتبادلة، تحوّل الملف العسكري إلى قنبلة موقوتة انفجرت مع أول احتكاك ميداني.

تداعيات التعثر: عودة السلاح إلى الواجهة

تعثر المفاوضات لم يبقَ في الإطار السياسي، بل انعكس سريعاً على الأرض عبر تجدد الاشتباكات وارتفاع منسوب التوتر الأمني، هذا التصعيد يهدد بإعادة إنتاج دوامة العنف في مناطق عانت طويلاً من الاستقرار الهش، كما أنه يضع السكان المحليين أمام واقع قلق، حيث تتراجع فرص الحل السياسي لمصلحة منطق القوة. الأخطر من ذلك أن استمرار هذا المسار قد يدفع أطرافاً خارجية إلى استغلال الفراغ السياسي والأمني، ما يعقّد المشهد ويطيل أمد الأزمة.

الحسابات الإقليمية وانعكاسها على مسار الاتفاق

تعثر اتفاق قسد ودمشق مرتبط بالسياق الإقليمي الأوسع، حيث يتحرك كل طرف ضمن شبكة من الضغوط الخارجية التي تحدد قراراته. تسعى الحكومة السورية إلى تثبيت سيادتها، بينما تدرك قسد أن موقعها مرتبط بتوازنات إقليمية متقلبة. هذا جعل الاتفاق رهيناً بعوامل خارجة عن إرادة الطرفين، وضعف فرص استدامته، ليبقى عرضة للتأثر بتغيير أولويات اللاعبين الإقليميين والدوليين.

آفاق المرحلة المقبلة: تسوية مؤجلة أم صدام مفتوح؟

تظهر المعطيات الحالية صعوبة العودة السريعة للتفاوض ما لم يقدّم أحد الطرفين تنازلات جوهرية، حيث ترفض الحكومة السورية المؤقتة الحكم اللامركزي الموسع، وتتمسك قسد بأوراق قوتها. يقف شمال سوريا عند مفترق طرق بين تفاوض واقعي قائم على الحلول الوسط أو صدام طويل الأمد، ويشير فشل الاتفاق إلى أن الأزمة السورية لم تصل بعد إلى مرحلة الحسم السياسي.

spot_imgspot_img