ذات صلة

الأكثر مشاهدة

السعودية تقصف أدواتها المنسحبة.. آليات “العمالقة” تحترق على طريق الفرار من الساحل الغربي

تداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يظهر...

الشكر مع النصر.. حتى لا تتحول النعمة إلى ثغرة

الأخوة المؤمنون المجاهدون في سبيل الله؛ نحن أمة قرآنية...

مأساة سجن الجوف

تتواصل فصول المأساة الإنسانية في اليمن لتسجل الذاكرة الوطنية...

الرياض تبتز العالم بعد هزيمتها في اليمن

خلال الأيام الماضية تبنت القنوات العربية المتصهينة رواية النظام...

غزة بلا غزة: مجلس ترامب يكتب “السلام” بقلم نتنياهو

“خاص”

تخيّل المشهد كاملا… يُعلن عن «مجلس سلام لغزة»، لكن أول حقيقة تصفعك: لا رئيس فلسطيني، لا أعضاء فلسطينيين، لا إدارة فلسطينية، ولا حتى شراكة فلسطينية في القرار. غزة حاضرة بالاسم فقط، أما أهلها فخارج القاعة، خارج الطاولة، وخارج النص. مجلس سلام لغزة… بلا غزة.

الأغرب أو الأدق أن هذا المجلس لا يُبنى لإنهاء الاحتلال، ولا لرفع الحصار، ولا لضمان الحقوق، بل يبدأ من شرطٍ واحد يُقدَّم كقاعدة أخلاقية: نزع سلاح الفلسطينيين. أي أن “السلام” هنا يُعرَّف منذ اللحظة الأولى كعملية تجريد الضحية من أدواتها، لا كعملية محاسبة للجاني أو تفكيك لأسباب الصراع. سلام يبدأ من فوهة المعادلة المقلوبة.

ثم نصل إلى المفارقة التي تحول المشهد كله إلى كوميديا سوداء: بنيامين نتنياهو عضو في تشكيلة “مجلس السلام”. نعم، نتنياهو نفسه، الذي ما زالت غزة تحصي تحت أنقاضها آثار قراراته، يُقدَّم فجأة كشريك في صياغة مستقبلها. هنا لا نتحدث عن تناقض سياسي، بل عن استهزاء فجّ بالعقل والمنطق. كيف يُطلب من غزة أن تثق بمجلسٍ يجلس فيه من قاد الحرب عليها، ثم يُقال لها: هذا مجلس سلام؟

ولأن العبث لا يكتمل دون وصاية، تُطرح فكرة إدارة “محلية” لغزة… لكنها ليست فلسطينية. حكومة تُدار من الخارج، بتمويل خارجي، بشروط أمنية خارجية، وتحت رقابة خارجية. أي أننا أمام محاولة إعادة إنتاج الحكم العسكري بلغة مدنية، واستبدال الاحتلال المباشر بـاحتلالٍ إداري ناعم، يُسمّى زورًا: إعادة إعمار.

الرسالة غير المعلنة واضحة: غزة ليست كيانًا سياسيًا، بل ملفًا إداريًا. شعبها ليس صاحب حق، بل “مشكلة أمنية” يجب ضبطها. مقاومتها ليست نتيجة احتلال، بل “عقبة” أمام السلام. وحتى وجودها الديمغرافي يُدار كأرقام في تقارير، لا كبشر لهم إرادة وذاكرة وحق تقرير مصير.

وإذا سألت: أين الفلسطيني في كل هذا؟ فالإجابة صادمة في بساطتها: الفلسطيني مطلوب فقط أن يوقّع على النتائج. أن يسلّم السلاح، أن يقبل بالإدارة المفروضة، أن يرضى بالحد الأدنى من الحياة، ثم يشكر “مجلس السلام” لأنه لم يتركه يموت بالكامل.

هنا بالضبط تنكشف الحقيقة: ما يُسوَّق ليس سلامًا، بل ترتيب ما بعد الحرب. ليس حلًا سياسيًا، بل إدارة أزمة طويلة الأمد. وليس مشروع استقرار، بل تثبيت واقع جديد تُنزَع فيه السياسة من الفلسطيني، ويُمنَح فيها الأمن حصريًا للطرف الأقوى.

وعندما يقف دونالد ترمب ليُقدّم نفسه راعيًا للسلام، بينما يجلس إلى جانبه بنيامين نتنياهو، ويُطلب من غزة أن تُدار بغير أبنائها، وتُحكَم بغير إرادتها، وتُجرَّد من حق الدفاع عن نفسها، فالمسألة لم تعد خلافًا سياسيًا… بل مسرحية هزلية مكتملة الأركان.

سلام بلا فلسطينيين ليس سلامًا. مجلس لغزة بلا غزّة ليس مجلسًا. ومبادرة تبدأ بالإقصاء وتنتهي بالوصاية ليست حلًا… بل وهمًا مُغلفًا بلغة دبلوماسية. التاريخ علّمنا شيئًا واحدًا فقط: أي سلام يُفرض على شعبٍ بالقوة، يسقط عند أول لحظة صدق. وغزة مهما حاولوا اختصارها في مجلس أو بيان أكبر من أن تُدار كمشروع… وأعمق من أن تُختزل كوهم.

spot_imgspot_img