ذات صلة

الأكثر مشاهدة

من غزة إلى جنين.. تصعيد إسرائيلي واسع يحصد الشهداء ويمنع الإسعاف من الوصول إلى المصابين

وسّع الاحتلال الإسرائيلي، الجمعة، نطاق اعتداءاته على الفلسطينيين في...

تحذير إيراني من إشعال المنطقة.. لا تنازل عن التخصيب وجاهزية شاملة لردع أي عدوان

تخوض إيران المرحلة الراهنة من التفاوض مع الولايات المتحدة وفق مقاربة مزدوجة تجمع بين الثبات على الحقوق السيادية والانفتاح المدروس على الحل الدبلوماسي، مع إبقاء الجاهزية العسكرية في أعلى مستوياتها لمواجهة أي تصعيد. ويظهر من مجمل مواقف المسؤولين الإيرانيين أن طهران لا تتعامل مع الملف النووي كمسألة تقنية قابلة للمساومة، بل كجزء من السيادة الوطنية والكرامة الاستراتيجية التي دفعت ثمنها سنوات طويلة من العقوبات والضغوط والاغتيالات واستهداف المنشآت والعلماء.

في هذا السياق، أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن تخصيب اليورانيوم حق قانوني ومشروع لإيران بصفتها عضوًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وأن كيفية ممارسة هذا الحق شأن داخلي لا يخضع للإملاءات الخارجية. وشدد على أن البرنامج النووي الإيراني سلمي بالكامل ويخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مذكرًا بأن إيران التزمت بالاتفاقات السابقة، بينما كانت واشنطن الطرف الذي انسحب منها ونقض تعهداته. كما أوضح أن طهران منفتحة على الحل الدبلوماسي إذا التزمت الولايات المتحدة بمبدأ الاحترام المتبادل والمساواة والمصلحة المشتركة، مع رفض تحويل التفاوض إلى منصة للضغوط الإعلامية أو فرض الشروط المسبقة.

عراقجي أكد أيضًا أن الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة لن يرهب إيران، وأن أي اعتداء أمريكي سيُعتبر عملًا عدوانيًا يتيح لطهران ممارسة حقها المشروع في الدفاع عن النفس، بما يشمل استهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة. وبذلك، ترسخ طهران معادلة واضحة: الدبلوماسية خيار قائم، لكن الردع حاضر، والحقوق غير قابلة للتنازل.

على المستوى العسكري، شدد القائد العام للجيش الإيراني اللواء أمير حاتمي على أن القوات المسلحة الإيرانية جاهزة بالكامل لمواجهة أي “حرب مركبة” تمتد من الميدان العسكري إلى المجالات السياسية والاقتصادية والنفسية والإعلامية. وأكد أن رهان الأعداء على إخضاع إيران عبر التهديد والضغوط رهان خاسر، مستشهدًا بسجل الهزائم الأمريكية في فيتنام وأفغانستان والعراق، ومشيرًا إلى أن العامل الحاسم في إفشال مشاريع الهيمنة هو ثبات الشعوب ووعيها واستعدادها للتضحية. كما أوضح أن إيران تمتلك من الصلابة الشعبية والجاهزية الميدانية ما يفشل أي محاولة لفرض الإرادة عليها بالقوة.

وفي الإطار القانوني والدبلوماسي، حذر نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب‌آبادي من أن أي حرب جديدة ضد إيران لن تبقى محصورة بطرفيها، بل ستتوسع آثارها إلى أطراف إقليمية ودولية أخرى، مؤكدًا أن من يبدأ الحرب قد لا يكون قادرًا على إنهائها. وأوضح أن إيران لن تكون البادئة بأي عدوان، لكنها ستقف بحزم أمام أي مؤامرة تمس أمنها واستقرارها، مجددًا التأكيد على أن البرنامج النووي الإيراني سلمي ولا يستهدف امتلاك سلاح نووي، وأن طهران ترفض المعايير المزدوجة في ملف نزع السلاح، خصوصًا تجاه الدول النووية التي لا تفي بالتزاماتها.

كما أكد غريب‌آبادي أن أي مفاوضات قابلة للاستمرار يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والتطبيق غير الانتقائي للقانون الدولي، في إشارة إلى أن طهران ترفض الدخول في عملية تفاوضية تُستخدم كغطاء لانتزاع تنازلات أحادية أو لتكريس اختلال التوازن في الالتزامات.

أما المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، فقد قدّم صورة أكثر تفصيلًا عن إدارة طهران للمفاوضات، نافياً التقارير التي تحدثت عن “اتفاق مؤقت” مع واشنطن، ومؤكدًا أن هذه التسريبات لا أساس لها. وأوضح أن إيران تفضّل مفاوضات جادة ومكثفة تفضي إلى نتائج ملموسة، لا جولات شكلية متقطعة، وأن هدفها الأساسي هو رفع العقوبات الجائرة وضمان الحقوق النووية المشروعة. كما شدد على أن أي تفاوض يهدف إلى فرض تنازلات أحادية لن يصل إلى نتيجة، وأن طهران ماضية في المسار الدبلوماسي انطلاقًا من ثقتها بعدالة موقفها وقوة حجتها.

بقائي تناول أيضًا التناقضات في التصريحات الأمريكية، خصوصًا ما يتصل بمزاعم “تصفير التخصيب” أو تحديد مهل وضغوط سياسية، معتبرًا أن هذه الازدواجية تمثل عقبة حقيقية أمام تقدم المفاوضات، وتكشف ارتباكًا في النهج الأمريكي. وفي المقابل، أكد أن مفهوم الاستسلام مرفوض لدى الشعب الإيراني سياسيًا وثقافيًا وتاريخيًا، وأن أي اتفاق “رابح للجميع” يجب أن يقوم على إعادة الحقوق الاقتصادية للإيرانيين واحترام حقهم في الطاقة النووية السلمية، لا على فرض الوصاية أو الإملاءات.

وفي ما يتعلق بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أوضح بقائي أن إيران لا تضع شروطًا مسبقة على زيارات الوكالة، لكنها تميز بين التعاون الفني المعتاد وبين مسألة تفتيش المنشآت المتضررة، التي تحتاج إلى آلية جديدة وتفاهم مشترك. كما أشار إلى أن أي خطوات طوعية إضافية، مثل تطبيق البروتوكول الإضافي، تبقى مرتبطة بمبدأ تبادل المكاسب، أي أن تقديم الضمانات الفنية يجب أن يقابله رفع فعلي للعقوبات، لا مجرد وعود سياسية.

وفي البعد الإقليمي، أكدت طهران أن الخطر الصهيوني لا يستهدف طرفًا بعينه، بل يهدد المنطقة بأكملها، وأن إسرائيل تمارس دورًا تخريبيًا في كل مسار دبلوماسي، بدعم من تيارات نافذة داخل الولايات المتحدة تسعى لتغليب أجندة الاحتلال على أي تسوية متوازنة. كما شددت على أن العقوبات الأمريكية لم تعد تُخفى أهدافها، بل باتت أداة ضغط مباشرة على الشعب الإيراني لإثارة الاضطراب الداخلي، وهو ما تعتبره إيران دليلًا إضافيًا على الطابع العدائي للسياسة الأمريكية.

في المحصلة، يتضح أن إيران تدير هذه المرحلة وفق استراتيجية متماسكة: تفاوض جاد من دون تفريط، تمسّك كامل بحق التخصيب والحقوق النووية، إصرار على رفع العقوبات، جاهزية عسكرية لمواجهة أي عدوان، وتحذير صريح من أن أي حرب جديدة لن يمكن احتواؤها داخل حدود إيران. هذه المعادلة تعكس أن طهران تفاوض من موقع السيادة لا من موقع الضغط، وتتعامل مع التهديدات باعتبارها جزءًا من معركة إرادة مفتوحة، لا سببًا للتراجع.

spot_imgspot_img