في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال حربه المدمرة على غزة، فتح جبهة موازية داخل السجون ومراكز الاحتجاز، لكن هذه المرة بأدوات مختلفة: القمع المنهجي، والتجويع، والإخفاء القسري، والإذلال المصوَّر. لم تعد الانتهاكات تُرتكب فقط خلف الجدران، بل باتت تُقدَّم عمداً في الإعلام الإسرائيلي بوصفها مشهداً دعائياً موجهاً، في محاولة لتحويل جسد الأسير الفلسطيني إلى مادة للانتقام السياسي واستعادة “الهيبة” الإسرائيلية المكسورة بعد 7 أكتوبر.
وبحسب المعطيات الواردة، يبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال نحو 10 آلاف أسير، بينما يبقى ملف أسرى غزة الأكثر غموضاً وخطورة، إذ يُحتجزون ضمن مسارين: سجون رسمية تتبع مصلحة السجون، ومراكز احتجاز عسكرية خارج الإطار القانوني المعتاد. وتُدرج إسرائيل 1249 أسيراً تحت تصنيف “المقاتلين غير الشرعيين”، وهو تصنيف يشمل غالبية معتقلي غزة، لكن الرقم الفعلي يبقى مرجحاً للارتفاع بسبب وجود مفقودين ترفض سلطات الاحتلال الكشف عن مصيرهم، ما بين الاحتجاز السري والتصفية الميدانية.
وتؤكد تقارير حقوقية أن ملف الأسرى بات جزءاً من منظومة إساءة ممنهجة تشمل التعذيب الشديد، والتجويع، وحرمان العلاج، والإجهاد المتعمد، والتعطيل القضائي، في ظل غياب الشفافية داخل مراكز احتجاز مثل سديه تيمان وغيرها. كما تشير المعطيات إلى ارتقاء 88 شهيداً من الحركة الأسيرة منذ بدء حرب غزة، بينهم 52 من أسرى غزة، في مؤشر خطير على تصاعد القتل البطيء داخل السجون.
في موازاة ذلك، يدفع وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير نحو تقنين الانتقام عبر مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، مدعوماً بمناخ سياسي إسرائيلي عام بات ينظر إلى التشدد ضد الأسرى كوسيلة تعبئة انتخابية. وقد مرّ القانون بالقراءة التمهيدية، كما أُقرّ قانون لمحاكمة مقاتلي “نخبة القسام” أمام محاكم خاصة مع بث علني للجلسات، في تحول خطير يدمج القضاء بالحرب النفسية، ويمنح الاحتلال أدوات قانونية استثنائية لفرض أحكام تصل إلى الإعدام، حتى مع تجاوز قواعد الإثبات والإجراءات المعتادة.
المشهد هنا لا يتعلق فقط بتشديد العقوبة، بل بإعادة تعريف الأسير الفلسطيني داخل الوعي الإسرائيلي: من “معتقل” إلى رمز يُستخدم لإعادة بناء الردع الإسرائيلي بالقوة والإذلال. فمشاهد الركوع، والتقييد، والاعتداء، التي تُنشر تحت رعاية مسؤولين رسميين، ليست فقط انتهاكات؛ بل رسائل سياسية داخلية تخدم اليمين المتطرف، وتمنحه رصيداً شعبوياً سريعاً في موسم التنافس الانتخابي، حيث بات التطرف ضد الفلسطينيين هو العملة الأكثر تداولاً بين الحكومة والمعارضة معاً.
وتكشف هذه الوقائع أن الأسير الفلسطيني أصبح اليوم ساحة صراع داخلية إسرائيلية بقدر ما هو ضحية مباشرة للاحتلال. فكلما تراجعت حالة التعبئة الانتقامية داخل المجتمع الإسرائيلي بفعل طول الحرب والخسائر، جرى ضخ مزيد من مشاهد القسوة داخل السجون لإعادة شحن المزاج العام، وصرف الأنظار عن مسؤولية المؤسسة الأمنية والسياسية عن الفشل التاريخي الذي أصاب صورة الردع الإسرائيلي.
أما على مستوى المصير، فإن الصورة تبدو أكثر قتامة، خصوصاً لأسرى غزة. فبعد تعثر مسارات التبادل وإغلاق نوافذ الإفراج، أصبح هؤلاء الأسرى تحت رحمة إجماع إسرائيلي يميني–أمني يشرعن الإخفاء والتعذيب والتجويع، ويضعهم على حافة الإعدام القانوني أو الصامت. وفي ظل تراجع فاعلية القضاء الإسرائيلي في كبح هذه الانتهاكات، ورفض المحكمة العليا عشرات الالتماسات المتعلقة بظروف الاحتجاز أو الكشف عن مصير المختفين، تتجه السجون الإسرائيلية إلى ما يشبه مناطق موت بطيء خارج أي محاسبة حقيقية.
الخلاصة أن ما يجري اليوم ليس مجرد انتهاكات متفرقة، بل سياسة دولة: استخدام الأسرى الفلسطينيين كأداة انتقام، وورقة تعبئة، ومنصة لاستعراض القوة. وبين الإذلال الممنهج والتمهيد للإعدام، يقف ملف الأسرى أمام أخطر تحول منذ عقود، في ظل صمت دولي وعجز قانوني، بينما تتوسع آلة الاحتلال في تحويل السجن إلى امتداد مباشر للحرب.
