ذات صلة

الأكثر مشاهدة

غزة تنزف تحت خروقات الاحتلال.. شهداء بينهم طفلتان ووثائقي يفضح منظومة القتل الإسرائيلية

واصل الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته على قطاع غزة، موقعًا مزيدًا...

إرث العدو الدموي: بنك الجلد البشري يكشف الوجه الوحشي للاحتلال الإسرائيلي

فجّرت التصريحات المتداولة حول امتلاك كيان الاحتلال الإسرائيلي أحد أكبر بنوك الجلد البشري في العالم موجة واسعة من الجدل، لكنها في الجوهر أعادت فتح ملف أعمق: سجل طويل من الانتهاكات المرتبطة بالتعامل مع جثامين الفلسطينيين وحقوقهم الإنسانية، في ظل منظومة احتلال اعتادت الإفلات من المساءلة وتقديم رواياتها الرسمية بوصفها “حقائق نهائية”.

الضجة التي أثارتها التصريحات داخل نقاش تشريعي في ولاية أوهايو الأمريكية لم تكن مجرد سجال إعلامي عابر، بل كشفت مرة أخرى حجم التداخل بين النفوذ السياسي الإسرائيلي في الغرب، ومحاولات تقييد النقد الموجه للاحتلال تحت عناوين قانونية مثل “مكافحة معاداة السامية”، بما يهدد بتحويل أي مساءلة لجرائم الاحتلال أو ممارساته المشبوهة إلى “مخالفة” تستوجب العقاب.

ومن الناحية الطبية البحتة، صحيح أن بنوك الجلد موجودة في دول عديدة وتُستخدم لعلاج الحروق والإصابات البالغة، لكن الإشكال في الحالة الإسرائيلية لا يقف عند وجود بنك الجلد نفسه، بل في السياق الأخلاقي والسياسي المحيط به، وفي تاريخ موثق من التجاوزات المتعلقة بأخذ أنسجة وأعضاء من جثامين دون موافقات قانونية واضحة، وهي وقائع أُثيرت سابقاً وأحرجت المؤسسة الطبية الإسرائيلية أمام الرأي العام الدولي.

هذا التاريخ لا يمكن فصله عن طبيعة الاحتلال نفسه؛ فحين تكون السلطة القائمة قوة احتلال تمارس القتل اليومي والحصار والتجويع والاعتقال الجماعي، فإن أي ملف يتعلق بالجثامين والأعضاء والأنسجة يتحول تلقائياً إلى ملف شبهة وانتهاك، لا إلى مجرد مسألة إدارية أو طبية. ولهذا، فإن إثارة التساؤلات حول مصادر الأنسجة البشرية في كيان الاحتلال ليست “مبالغة”، بل جزء من حق مشروع في طلب التحقيق والشفافية والمحاسبة.

اللافت أن المدافعين عن الاحتلال يسارعون دائماً إلى استخدام سلاح “التشكيك” و”التجريم الأخلاقي” لكل من يطرح هذه الملفات، في محاولة لحماية صورة الكيان ومنع أي نقاش جدي حول ممارساته. لكن الحقيقة أن المشكلة ليست في السؤال، بل في سجل الاحتلال نفسه، الذي راكم خلال العقود الماضية ما يكفي من الجرائم والانتهاكات ليجعل الشك أمراً منطقياً، لا دعاية.

وفي قلب هذا الجدل، تبرز مفارقة صارخة: بينما يُطلب من الضحايا الفلسطينيين وأنصارهم تقديم “أدلة كاملة وفورية” في ظل الحرب والحصار وطمس الحقائق، تُمنح رواية الاحتلال دائماً مساحة الحصانة والقبول المسبق، حتى عندما يتعلق الأمر بملفات تمسّ كرامة الموتى وحقوق العائلات. وهذه الازدواجية ليست قانونية فقط، بل سياسية وإعلامية أيضاً.

كما أن الجدل الحالي يعكس معركة أوسع حول حرية التعبير في الولايات المتحدة: هل يُسمح بانتقاد الاحتلال الإسرائيلي وكشف شبهات انتهاكاته، أم أن أي خطاب يقترب من هذه الملفات سيتم خنقه تحت ضغوط جماعات الضغط والتشريعات الموسعة؟ هذا السؤال بات مركزياً، خصوصاً مع تنامي محاولات خلط النقد السياسي المشروع لإسرائيل بخطابات الكراهية، في محاولة لردع الأصوات الحقوقية والإعلامية.

الخلاصة أن قضية “بنك الجلد” ليست مسألة طبية معزولة، بل نافذة تكشف الوجه البنيوي للاحتلال الإسرائيلي: منظومة استعمارية عنيفة، محمية سياسياً، ومتهمَة أخلاقياً، وتُحاط ملفاتها الحساسة بجدار كثيف من التعتيم والتشويش. وبينما يحاول الاحتلال وحلفاؤه تحويل أي مساءلة إلى “مشكلة خطاب”، يبقى المطلب الحقيقي واضحاً: تحقيقات مستقلة، شفافية كاملة، ومحاسبة دولية لا تستثني أحداً.

spot_imgspot_img