ذات صلة

الأكثر مشاهدة

الدفاع المدني يطلق صافرات الإنذار في صنعاء ويحذر من الاقتراب من السائلة ومجاري السيول

حذّرت مصلحة الدفاع المدني، مساء السبت، المواطنين وسائقي المركبات...

ترمب يلوّح بـ”الموجة الكبرى” وإيران تُقفل بوابة الحرب الخاطفة.. “خيبر” يضرب العمق وفيلق القدس يتوعّد: لن نهدأ حتى يُهزم العدو

بينما يلوّح ترمب بـ“الموجة الكبرى” ويتحدث عن إرسال قوات إلى داخل إيران كمن يبيع حربًا سهلة على جمهورٍ مرتبك، تتقدّم الوقائع في الميدان لتقول عكس ذلك تمامًا: هذه ليست حملة خاطفة، بل مواجهة تُكتب على إيقاع الاستنزاف وكسر الإرادة. واشنطن وتل أبيب تحاولان حسمًا بالنار يفتح طريق الهيمنة ويُعيد هندسة المنطقة تحت عنوان “إسرائيل الكبرى”، لكن طهران—بموجات “وعد صادق 4” وصواريخ “خيبر” واتساع بنك الأهداف من العمق المحتل إلى شبكة القواعد—تدفع المعركة إلى مربعٍ مختلف: إغلاق بوابة الحرب السريعة وفرض معادلة ردع تُحوّل كل تصعيد إلى كلفة، وكل محاولة حصار إلى ارتداد، وكل تهديد إلى اختبارٍ لا يُدار من فوق.

ورفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سقف التهديد إلى أقصى حد، معلنًا أنه “لا يخشى إرسال قوات أمريكية إلى الأراضي الإيرانية” وأنه لن يتردد “إذا كان ذلك ضروريًا”، متوعدًا بأن “الموجة الكبيرة لم تحدث بعد” وأن التصعيد “آتٍ قريبًا”، في محاولة واضحة لفرض منطق الهيمنة بالنار بعد تعثر رهان الإخضاع السريع.

ترمب، وخلال فعالية في البيت الأبيض وتصريحات لشبكة CNN، قدّم الحرب باعتبارها “الفرصة الأخيرة والأفضل” لمنع إيران من تطوير برنامجها النووي، مدعيًا أن واشنطن قادرة على “الاستمرار في الحرب لفترة أطول بكثير من 4 إلى 5 أسابيع”، ومضيفًا مزاعم عن تدمير “10 سفن إيرانية”، في خطاب استعراضي يهدف لرفع المعنويات داخل الإدارة وتغطية كلفة الانزلاق إلى حرب مفتوحة لا تملك واشنطن ضمانات حسمها.

هذا التهديد الأمريكي لم يأتِ منفصلًا عن أزمة داخل المعسكر الغربي نفسه. فقد وجّه ترمب انتقادات حادة لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على خلفية ما وصفه بـ“التأخر” في السماح باستخدام قاعدة دييغو غارسيا لاستهداف إيران، معربًا عن “خيبة أمل شديدة”، قبل أن يرد ستارمر مؤكدًا أن بريطانيا “لم تكن متورطة في الهجوم الأول” وأنها ستواصل تحركاتها “الدفاعية” دون المشاركة في أي هجمات تشنها إسرائيل أو الولايات المتحدة، محذرًا في الوقت ذاته من أن اغتيال المرشد الإيراني لن يوقف هجمات إيران بل “سيزيدها”، في اعتراف ضمني بأن سياسة قطع الرأس لا تُنتج استسلامًا بقدر ما تُنتج توسعًا في دائرة النيران.

في المقابل، جاء الرد الإيراني—سياسيًا وميدانيًا—بلغة تقطع الطريق على “حرب الضغطة الواحدة”. فقد أكد أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني أن إيران، “على عكس أمريكا، مستعدة لحرب طويلة الأمد”، متوعدًا بأن بلاده “ستجعل الأعداء يندمون على حساباتهم الخاطئة”، ومشدّدًا على أن إيران “لم تكن هي من يبدأ الحروب” لكنها ستواصل الدفاع عن نفسها “مهما كان الثمن”، مع إعلان قاطع بـ “لا تفاوض” في ظل العدوان. هذه الرسالة ليست توصيفًا معنويًا فقط، بل إعلان قاعدة اشتباك: إيران تُقاتل على مبدأ البقاء السيادي، وواشنطن تُجرّ إلى استنزاف لا تملك رفاهية زمنه ولا كلفته السياسية والاقتصادية.

وعلى مستوى الميدان، تقدمت الجمهورية الإسلامية إلى مرحلة أعلى في معادلة الردع عبر تصعيد متزامن يُحاصر المشروع الأمريكي–الإسرائيلي من ثلاث جهات: عمق الكيان، والقواعد الأمريكية، وجبهة الطاقة والممرات. فقد أعلن حرس الثورة تنفيذ الموجة العاشرة من عملية “وعد صادق 4” عبر مناورة بصواريخ “خيبر” أدت إلى تصعيد واسع النطاق داخل الأراضي المحتلة، مع استهداف مراكز عسكرية وأمنية في حيفا وأهداف في القدس الشرقية والمجمع الحكومي في تل أبيب، في رسالة مباشرة عنوانها: “أصوات صفارات الإنذار لن تتوقف أبدًا”. وترافقت هذه الموجة مع اعلان استهداف “مكتب رئيس وزراء الكيان” وموقع قائد القوات الجوية بهجمات مفاجئة ودقيقة، وصولًا إلى القول إن “مصير نتنياهو أصبح غامضًا”—وهي صياغة مقصودة لزرع الشك داخل القيادة الصهيونية وإرباك سلاسل القرار في زمن الحرب.

ومع توسع بنك الأهداف، لم يبقِ الرد الإيراني النار محصورة في الداخل المحتل. فوفق ما تم تداوله، أعلنت القوات المسلحة الإيرانية إطلاق 15 صاروخ كروز باتجاه قاعدة علي السالم الأمريكية في الكويت وسفن معادية شمال المحيط الهندي، بينما أعلن “مقر خاتم الأنبياء” المركزي إسقاط مقاتلة F-15 كانت تعتزم التوغل، مع تأكيد سقوط الحطام في الكويت لقرب موقع الحادث من الحدود، في تطور يرفع منسوب الضغط على “شبكة القواعد” التي تدير منها واشنطن حربها.

وفي موازاة ذلك، تم تداول أحاديث عن موجات بحرية ضمن “الوعد الصادق 4” استهدفت أهدافًا ثابتة ومتحركة للجيش الأمريكي في الكويت والإمارات والبحرين ومضيق هرمز، باستخدام مسيّرات وصواريخ باليستية، مع تفاصيل عن استهداف قواعد بعينها وإصابة ناقلات وقود، بما يعزز فكرة أن إيران تتعامل مع قواعد واشنطن كـ“مراكز نيران” يجب تعطيلها، لا كمساحات محمية بالحصانة السياسية.

على خط الخسائر والبعد الإنساني، تتحدث مصادر إيرانية عن ارتفاع عدد الضحايا إلى 555 شهيدًا نتيجة الاعتداءات الأمريكية–الصهيونية، مع إعلان عن استشهاد 175 من الطلاب والمعلمين، وتسجيل ضربات على مدن بينها سنندج ومحافظات أخرى، فيما أكد السفير الإيراني لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن العدوان استهدف منشآت نطنز. وفي مقابل محاولات واشنطن تحويل الحرب إلى “ملف نووي”، تفرض الوقائع صورة عدوان ممتد على المدن والبنى الحيوية، ما يعني أن المعركة خرجت من إطار “المنشأة” إلى إطار “الدولة” بكاملها، وهو ما يفسر اتساع ردّها وعدم قابليته للانكماش.

اقتصاديًا، ارتدّ الصراع على الأسواق سريعًا: قفزة كبيرة في أسعار الغاز في أوروبا، وارتفاع في خام برنت، وتوقف العمل في منصة إنتاج الغاز في حقل ليفياثان الذي تشغله شيفرون الإسرائيلية، بما يثبت أن الحرب—حتى لو أرادت واشنطن حصرها—تدفع العالم إلى كلفة طاقة وشحن وتأمين تتصاعد مع كل موجة.

وفي هذا السياق، برزت رسالة إيرانية لاحتواء الذرائع ضدها عبر تأكيد متداول بأن المنشآت النفطية لدول المنطقة ليست ضمن أهداف الهجمات الإيرانية، في محاولة لإبقاء الاستهداف محصورًا بمنظومة العدوان وقواعده، لا بقرار تدمير اقتصاديات الجوار—مع إبقاء “الخيار” كقدرة ردعية لا كقرار مُعلن.

وفي موازاة ذلك، جاءت لغة فيلق القدس لتغلق باب التسويات الناعمة وتفتح باب الاشتباك المفتوح. فقد توعّد الفيلق بأن الولايات المتحدة وكيان الاحتلال “لن ينعمَا بالأمان في أي مكان”، وأن “عملياتنا لن تتوقف ولن نهدأ ولا نتراجع حتى يُهزم العدو”، مؤكدًا أن العدوان الذي استهدف إيران واستشهد فيه قادة وشخصيات بارزة لن يحقق للخصوم ما يتوهمونه من “كسر الإرادة”، بل سيحوّل جبهة المقاومة إلى مسار أصلب وأشد. وجاءت العبارة الأوضح بوصفها عنوان المرحلة: “سنبقي أبواب النار مفتوحة لهم”، مع رسالة ردع صريحة بأن العدو “لن يكون آمنًا في أي مكان” حتى داخل “دياره”.

وفي المحصلة، يُمكن قراءة هذا اليوم بوصفه نقطة انتقال: واشنطن ترفع سقفها الكلامي وتلوّح بـ“الموجة الكبيرة” وتُلمّح إلى قوات برية، لكنها في الوقت نفسه تواجه واقعًا ميدانيًا ينسف فكرة الحرب القصيرة؛ وإيران، عبر موجات “وعد صادق 4” وذخائر “خيبر” وتوسيع الاستهداف إلى القواعد، تُثبت أنها تبني معادلة هدفها واحد: تحويل العدوان الأمريكي–الإسرائيلي إلى استنزاف طويل يُفقد الخصم ميزة التحكم بالزمن، ويُغرقه في كلفة لا تُحتمل سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، حتى يصبح “التصعيد” الأمريكي عبئًا على أصحابه لا سلاحًا في يدهم.

spot_imgspot_img