ذات صلة

الأكثر مشاهدة

الدفاع المدني يطلق صافرات الإنذار في صنعاء ويحذر من الاقتراب من السائلة ومجاري السيول

حذّرت مصلحة الدفاع المدني، مساء السبت، المواطنين وسائقي المركبات...

تل أبيب وسط الجحيم وواشنطن تبحث عن مخرج: “الضربة الخاطفة تتحول إلى انتحار استراتيجي”

كانت حسابات الولايات المتحدة ومعها إسرائيل بسيطة إلى حد السذاجة السياسية حين قررتا فتح جبهة مباشرة مع إيران، كان التصور في غرف القرار أن المسألة لن تتجاوز ضربة خاطفة، ضربات جوية مركّزة على إيران، أيام قليلة من القصف المكثف ثم إعلان “الانتصار” أمام الكاميرات.

هكذا اعتادت واشنطن وتل أبيب في حروب سابقة: ضربة سريعة، بيان ناري، ثم مؤتمر صحفي يتحدث عن الردع والقوة، وهكذا تخيلتا أن الشرق الأوسط سيصفق لانتهاء المعركة قبل أن يبدأ الغبار بالجلوس.

لكن ما حدث على الأرض كان مختلفًا تمامًا، ولم يكن في الحسابات أن الطرف المقابل لن يلعب الدور الذي رُسم له، فجأة تحولت الحرب التي كان يُراد لها أن تكون استعراض قوة إلى مأزق ثقيل، وبدلاً من أن تنتهي في يوم أو يومين، وجدت أمريكا وإسرائيل نفسيهما أمام معركة مفتوحة الإيقاع، لا تُدار من غرفة عمليات في واشنطن، بل باتت إيقاعاتها تُفرض من طهران من دون شروط مسبقة.

مع تصاعد المواجهة، بدأت الوقائع العسكرية تعيد رسم المشهد. فالقوة البحرية التابعة لـ الولايات المتحدة، التي اعتادت الاقتراب من مناطق النزاع لفرض الهيمنة، وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تموضع حاملات الطائرات بعيدًا مئات الكيلومترات في المحيط الهندي، في محاولة لتقليل خطر الاستهداف بالصواريخ بعيدة المدى. هذا التحرك لم يكن تفصيلاً عسكريًا عابرًا، بل رسالة واضحة بأن ساحة المعركة لم تعد كما كانت في الحروب السابقة.

وفي الشرق الأوسط، تعرضت عدة قواعد عسكرية أمريكية لضربات صاروخية استهدفت منظومات الرادار والإنذار المبكر، وهو ما فتح نقاشًا داخل الدوائر العسكرية الغربية حول مدى قدرة واشنطن على حماية انتشارها العسكري الواسع في المنطقة إذا استمرت الحرب بالوتيرة نفسها.

أما داخل إسرائيل، فقد تحولت الجبهة الداخلية إلى مصدر ضغط حقيقي مع استمرار سقوط الصواريخ والطائرات المسيّرة. ومع دخول صواريخ متطورة، بعضها يوصف بـ الفرط صوتي، تصاعد القلق حول قدرة منظومات الدفاع الجوي على اعتراض موجات الهجوم المتلاحقة، الأمر الذي وضع القيادة الإسرائيلية أمام معادلة صعبة بين التصعيد العسكري وتحمّل كلفته الداخلية.

وفي البعد الاستراتيجي الأوسع، أصبح مضيق هرمز محور القلق العالمي. فاضطراب الملاحة البحرية وتهديد السفن التجارية أدخلا أسواق الطاقة في حالة توتر حاد، خصوصًا في أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على استقرار طرق الإمداد القادمة من الخليج. وهنا لم تعد الحرب مسألة إقليمية فحسب، بل تحولت إلى أزمة تمس الاقتصاد العالمي بأكمله.

وهكذا، تحولت الحرب التي ظنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل معركة أيام، وضربة خاطفة، إلى مأزق استراتيجي مفتوح واختبار قاسٍ لحسابات القوة في المنطقة، فبدلاً من مشهد الحسم السريع، برز واقع أكثر تعقيدًا: تصعيد متبادل، اقتصاد عالمي مضطرب، ومخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

فالحروب، كما يثبت التاريخ مرارًا، لا تُحسم دائمًا بـ التفوق التكنولوجي ولا بـ عدد الطائرات والسفن، بل بـ قدرة الأطراف على تحمّل الصراع الطويل وفرض الإيقاع السياسي والعسكري.

وفي هذه اللحظة من الصراع، تبدو الحقيقة السياسية أكثر وضوحًا: من أشعل الحرب ظن أنه يتحكم بنهايتها، لكن الوقائع على الأرض تقول إن قرار استمرارها أو إيقافها لم يعد بيد من بدأها. وفي الشرق الأوسط، حين تنقلب المعادلات بهذه الطريقة، لا يكون ذلك مجرد تفصيل عسكري… بل تحول في ميزان القوة كله.

spot_imgspot_img