دخل العدوان يومه التاسع عشر على وقع تصعيد إيراني–لبناني متزامن قلب المشهد الميداني والسياسي، وأظهر أن جبهة العدوان الأمريكي–الصهيوني لم تعد تواجه ردودًا متفرقة، بل منظومة نار مترابطة تضرب في الوقت نفسه العمق الصهيوني، والقواعد الأمريكية، والبنية المعنوية للعدو. وفي هذا اليوم، تصدّر ثأر الشهيد علي لاريجاني واجهة الميدان، مع إعلان حرس الثورة تنفيذ الموجة الحادية والستين من عملية “الوعد الصادق 4”، مستخدمًا صواريخ خرمشهر 4 وقدر وعماد وخيبرشكن متعددة الرؤوس الحربية، ومؤكدًا أن الضربة أصابت أكثر من 100 هدف عسكري وأمني في قلب الأراضي المحتلة، في ظل ما وصفه بـانهيار منظومة الدفاع الجوي المتعددة الطبقات التابعة للكيان.
ولم تبقَ هذه الضربة في حدود البيان العسكري، بل ظهرت آثارها سريعًا في عمق الكيان، حيث تحدث الإعلام الصهيوني عن كارثة، وأظهرت المشاهد دمارًا هائلًا في تل أبيب ورامات غان وحولون، مع اندلاع حرائق في المباني والمركبات والمصانع، وسقوط قتيلين في رامات غان جنوب تل أبيب، ثم ارتفاع عدد المصابين المعلن من قبل العدو إلى 192 مصابًا خلال 24 ساعة فقط، وإجمالي 3727 مصابًا منذ بداية الحرب. كما أقر موقع واللا بإخلاء نحو 4000 شخص بعد تضرر منازلهم في منطقة الوسط، في مؤشر واضح على أن الضربات الإيرانية لم تعد تترك أثرًا نفسيًا فقط، بل تدفع نحو نزوح داخلي متسارع وتفكك الإحساس بالأمن في قلب الكيان.
وفي الوقت نفسه، كانت المقاومة الإسلامية في لبنان تدشن مرحلة أكثر اتساعًا من الضغط تحت عنوان “خيبر 1”، معلنة استهداف 12 مغتصبة شمال فلسطين المحتلة، إلى جانب قاعدة ميرون للمراقبة وإدارة العمليات الجوية، وقاعدة غيفع للتحكم بالمسيّرات شرق صفد، ومقر قيادة المنطقة الشمالية، وقاعدة عين زيتيم، وقاعدتي عميعاد وشمشون، ومنظومة الدفاعات الجوية في معالوت ترشيحا، وقاعدة حيفا البحرية، ثم تلتها عمليات على نهاريا، وأفيفيم، وكريات شمونة، وشوميرا، وشتولا، وزرعيت، فضلًا عن استهداف تجمعات وآليات العدو في الخيام والعديسة وحولا. هذه الرمايات الواسعة كشفت أن حزب الله لم يعد يكتفي بضرب خطوط التماس، بل بات يفكك مراكز الرصد والتحكم والدفاع والبحرية في الشمال، ويحوّل الجبهة الشمالية إلى منطقة نارية مفتوحة.
وقد انعكس ذلك مباشرة على المجتمع الصهيوني في الشمال، حيث تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن تذمر واسع بين رؤساء المجالس المحلية بسبب النقص الكبير في التحصين وشلل الاقتصاد، مع مطالبات بإخلاء مستوطنات بأكملها لفترة غير محددة. كما أقرت إذاعة جيش العدو بأن القوات المتمركزة على الحدود مع جنوب لبنان تعرضت في اليوم السابق لـوابل كثيف وغير مسبوق من الصواريخ، فيما أكدت القناة 12 أن حزب الله نجح في إعادة نشر واسعة لمنصاته الصاروخية في الميدان، وأن قدرته على مواصلة إطلاق النار لم تتراجع، بل ازدادت تنظيمًا واتساعًا. أما يديعوت أحرونوت فكشفت عن أزمة ثقة متصاعدة بين المستوطنين والمؤسسة العسكرية، مشيرة إلى أن ليلة الحادي عشر من مارس كانت نقطة تحول حين أمطر الحزب الشمال بنحو 200 صاروخ بعد طمأنة الجيش للمدنيين بعدم وجود تغيير في التعليمات.
وفي مقابل هذا الضغط على الكيان، واصلت إيران تطويق القواعد الأمريكية في المنطقة ضمن معادلة واضحة: كل قاعدة تُستخدم ضد إيران ستُضرب. فقد أعلنت القوة البحرية في الحرس الثوري تنفيذ عملية مركبة بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت حظائر المقاتلات الأمريكية في قاعدة الشيخ عيسى وقاعدة الظفرة، مؤكدة أن الظفرة كانت منطلقًا للهجمات الأمريكية على الجزر الإيرانية، وأن الضربات الأخيرة خفضت القدرة العملياتية للقاعدة بشكل كبير، مع تصاعد أعمدة الدخان من ورش الصيانة والمنشآت اللوجستية في الشيخ عيسى. كما جددت إيران نداءاتها للمدنيين بالابتعاد عن القواعد الأمريكية، ثم وسّعت التحذير ليشمل المصانع والمنشآت التي تمتلك فيها الولايات المتحدة أسهمًا، معلنة أن هذه المواقع ستتعرض لهجمات مباشرة خلال الساعات القادمة.
وفي تطور لافت، اعترف الجيش الأمريكي بإصابة 200 جندي خلال العدوان على إيران، بينما كشفت واشنطن بوست أن استقالة جو كينت، مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة “الإرهاب” وأحد أبرز مؤيدي ترامب، عرّت حجم الانقسام داخل الإدارة الأمريكية. وتزداد دلالة هذه الاستقالة حين تتزامن مع تقارير أمريكية تؤكد أن الحرب التي قُدمت على أنها ضربة خاطفة تحولت إلى انتحار استراتيجي، وأن الحلفاء الذين شجعتهم واشنطن على المضي في المواجهة تُركوا يواجهون الهجمات الإيرانية بمفردهم.
في البحر، بدت صورة القوة الأمريكية أكثر اهتزازًا. فقد كشفت نيويورك تايمز أن حريقًا اندلع في حاملة الطائرات “جيرالد فورد” قبل أيام، واستغرق إخماده 30 ساعة، وأن إصلاحها سيحتاج إلى أسبوع على الأقل، وهو تطور يضرب رمزًا مركزيًا من رموز الهيمنة الأمريكية البحرية. وفي السياق نفسه، أعلن الجيش الإيراني أنه استهدف حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” بصواريخ بر–بحر أجبرتها على الانسحاب والابتعاد عن المنطقة، مؤكدًا أن العملية جاءت ردًا على الجرائم الأمريكية وبالتزامن مع تشييع شهداء الفرقاطة دنا. وبهذا، لم تعد حاملات الطائرات الأمريكية أدوات فرض ردع، بل تحولت إلى أهداف ثقيلة تحت الضغط.
وفي ملف الطاقة والبحر، تعمقت أزمة مضيق هرمز أكثر. فقد أكد الجيش الإيراني وقاليباف وعراقجي أن الأوضاع في المضيق لن تعود إلى سابق عهدها مع استمرار الوجود الأمريكي والصهيوني، وأن إيران تملك السيادة الكاملة على هذا الممر الحيوي، ولن تسمح للعدو بالاستفادة من مصالحه. كما شدد عراقجي على أن مضيق هرمز يقع على الحدود مع إيران، ومن الطبيعي ألا تسمح طهران لعدوها باستخدامه، داعيًا بعد انتهاء الحرب إلى وضع آليات جديدة لمسار السفن فيه. وقد بدأت نتائج هذه المعادلة تظهر بوضوح، مع تعليق ميناء الفجيرة عمليات تحميل النفط، وبدء اليابان السحب من احتياطياتها الاستراتيجية، وتحذيرات متزايدة من تفاقم أزمة الطاقة، فضلًا عن توقعات بارتفاع أسعار تذاكر الطيران الصيفية نتيجة القفزة الكبيرة في وقود الطائرات.
سياسيًا، واصلت طهران تثبيت روايتها بأن الحرب لم تبدأ منها، وأنها لن تنتهي إلا بإزالة التهديدات جذريًا. فقد قال الرئيس مسعود بزشكيان إنه أكد للرئيس الفرنسي أن إيران لم تبدأ هذه الحرب، وأن الدفاع في مواجهة العدوان حق طبيعي نجيده، مشددًا على ضرورة وقف استخدام القواعد الأمريكية في المنطقة ضد إيران. كما أكد أن الجمهورية الإسلامية لن تستسلم للمتغطرسين، وأن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا عبر تجاهل العدوان الأمريكي–الصهيوني. وفي الاتجاه نفسه، أعلن قاليباف أن إيران لم تعد تقبل بمعادلة “الحرب–وقف إطلاق النار–التفاوض”، بل تريد إزالة التهديد بشكل كامل، بينما طالب عراقجي الأمم المتحدة بإدانة العدوان ومحاسبة المعتدين وفق الفصل السابع، مؤكدًا أن طهران لا تسعى إلى وقف إطلاق نار هش يعيد إنتاج الحرب لاحقًا، بل إلى إنهاء دائم للصراع.
كما برز في هذا اليوم التلاحم السياسي والإقليمي مع إيران بصورة أوضح. فقد نعى المكتب السياسي لأنصار الله الشهيدين علي لاريجاني وغلام رضا سليماني، مؤكدًا أن هذه الدماء الزكية ستفجر طوفانًا يجرف المعتدين، وأن العدوان على إيران يأتي ضمن مخطط صهيوني للسيطرة المطلقة على المنطقة. كما نعت حماس والجهاد الإسلامي ولجان المقاومة وحركة المجاهدين الشهيد لاريجاني، مؤكدة أنه كان من أبرز الداعمين لفلسطين والمقاومة، وأن استمرار العدوان على إيران يمثل خطرًا على المنطقة بأسرها. ومن جهته، أدان الكرملين اغتيال كبار المسؤولين في إيران، فيما أبلغ عراقجي شكره إلى باكستان حكومةً وشعبًا على تضامنها الكامل مع الجمهورية الإسلامية.
في الداخل الإيراني، استمرت الأجهزة الأمنية في تفكيك شبكات التخريب والتجسس. فقد أعلن حرس الثورة في البرز اعتقال 75 عنصرًا رئيسيًا مرتبطين بجماعات إرهابية وشبكات معادية، وتفكيك مجموعة قرصنة إلكترونية مرتبطة بشبكات خارجية، فيما أعلنت الاستخبارات الإيرانية تفكيك 111 خلية “ملكية” مسلحة في 26 محافظة، إضافة إلى اعتقال جواسيس يعملون لصالح الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. هذا إلى جانب إعلانات سابقة عن توقيف 500 جاسوس في الداخل الإيراني. وهو ما يثبت أن الدولة الإيرانية لا تكتفي بإدارة الجبهة العسكرية، بل تخوض حربًا أمنية داخلية محكمة وتمنع العدو من تحقيق أي اختراق حاسم.
إنسانيًا، استمر العدوان الأمريكي–الصهيوني في استهداف القطاع الصحي والمدني في إيران ولبنان. فقد أعلنت وزارة الصحة الإيرانية استشهاد 18 من العاملين في القطاع الصحي وتضرر 180 مركزًا طبيًا منذ بدء الحرب، إضافة إلى استشهاد 206 أطفال وإصابة 1401 ممن تقل أعمارهم عن 18 عامًا. كما تضرر 8 مصانع أدوية وعدد من شركات التوزيع والصيدليات. وفي لبنان، ارتفعت حصيلة الغارات الإسرائيلية على جبشيت وحبوش وبعلبك ثم على البسطة وزقاق البلاط وصيدا إلى عشرات الشهداء والجرحى، فيما استشهد محمد شري، مدير البرامج السياسية في قناة المنار، مع زوجته في غارة على بيروت. هذه الجرائم تعزز الرواية الإيرانية بأن العدو، بعدما عجز عن كسر الجبهة العسكرية، انتقل إلى ضرب البنية المدنية والصحية والإعلامية.
وعلى ضوء كل هذه المعطيات، أكد الجيش الإيراني أنه نجح في ترسيخ معادلة ردع تضمن الأمن القومي بشكل كامل، وأن المواجهة الحالية ستكون محطة لرفع مستوى الجهوزية والقدرات العسكرية. كما شدد المتحدث باسم الجيش الإيراني على أن الأيام المقبلة ستشهد إدخال أسلحة أكثر تطورًا إلى ساحة المعركة، وأن الثأر لشهداء دنا قادم لا محالة، فيما أكد مجتبى خامنئي أن دماء علي لاريجاني وغلام رضا سليماني لن تزيد شجرة النظام الإسلامي إلا قوة، وأن لكل دم ثمنًا سيدفعه قتلة الشهداء قريبًا.
وعليه، فإن اليوم التاسع عشر لم يكن مجرد يوم آخر من أيام الحرب، بل كان يوم ترسيخ معادلات جديدة: العمق الصهيوني مكشوف، الشمال ينهار تحت نار حزب الله، القواعد الأمريكية تتآكل، حاملات الطائرات تحترق أو تنسحب، مضيق هرمز خرج من المنطق القديم، والحرب لم تعد وسيلة لإخضاع إيران بل مسارًا متسارعًا لتفكيك هيبة واشنطن والكيان معًا. لقد بات واضحًا أن محور المقاومة لا يخوض معركة رد محدود، بل معركة تغيير قواعد الإقليم وإنهاء مظلة الهيمنة الأمريكية–الصهيونية بالقوة والصبر وتراكم الضربات.
