يواصل الاحتلال الإسرائيلي استغلال أجواء العدوان والتصعيد مع إيران لفرض وقائع جديدة على المسجد الأقصى، عبر إغلاق شامل دخل يومه السابع عشر على التوالي، في خطوة تتجاوز الذرائع الأمنية المعلنة لتكشف عن مسار سياسي وميداني منظم يستهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد. ويأتي هذا الإغلاق في توقيت بالغ الحساسية، بعدما حُرم الفلسطينيون من الصلاة والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، بما في ذلك ليلة القدر، في سابقة غير معهودة منذ عقود.
وبحسب القراءة التي قدمها الباحث زياد ابحيص في مقابلته مع قناة “الميادين نت”، فإن حديث الاحتلال عن “السلامة العامة” لا يصمد أمام الوقائع الميدانية، إذ إن الفلسطينيين في القدس والضفة لا يملكون أصلًا الحد الأدنى من الملاجئ والحماية المدنية، في حين أن داخل المسجد الأقصى توجد مصليات سفلية ومسقوفة أكثر تحصينًا من كثير من المواقع الأخرى التي بقيت مفتوحة. ومن ثم، فإن ما جرى لا يمكن فهمه على أنه إجراء وقائي بقدر ما هو قرار سياسي أمني يهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية المباشرة على إدارة المسجد، وتهميش دور الأوقاف الإسلامية والمرجعيات الدينية والتاريخية المرتبطة بالمقدسات.
ويشير هذا المسار إلى هدفين رئيسيين يتحرك الاحتلال نحوهما. الأول هو إخضاع الأقصى وسائر المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس لمنطق “سيادة دولة الاحتلال”، بحيث تصبح إدارات الأوقاف والوصاية التاريخية مجرد هياكل شكلية تتلقى التعليمات بدل أن تدير المكان وفق وضعه القائم تاريخيًا. أما الهدف الثاني، فهو استخدام حالة الإغلاق والحصار الراهنة كـتمرين عملي لعزل المصلين وإفراغ المسجد تدريجيًا، تمهيدًا لفرض طقوس توراتية داخل الأقصى، وعلى رأسها “القرابين” خلال موسم “الفصح” العبري المقبل.
وفي هذا الإطار، تبدو الحرب على إيران بالنسبة إلى الاحتلال فرصة سياسية وأمنية لتمرير مخططاته داخل القدس، لا مجرد ظرف خارجي عابر. فالتصعيد الإقليمي يوفّر للسلطات الإسرائيلية هامشًا أكبر لفرض إجراءات استثنائية، وتبريرها أمنيًا، ثم تحويلها لاحقًا إلى سوابق دائمة. ومن هنا، فإن الإغلاق الحالي لا يُقرأ باعتباره إجراءً مؤقتًا فقط، بل كجزء من هندسة تدريجية لواقع جديد في الأقصى، يُقصى فيه الفلسطينيون عن مركز الفعل والوجود، وتُختبر فيه حدود الرد العربي والإسلامي.
كما أن رواية الاحتلال حول سقوط شظايا داخل الأقصى، والتي استُخدمت لتبرير الإغلاق والتشديد، بدت أقرب إلى مشهد توظيف دعائي منها إلى حادث أمني يستدعي كل هذا المستوى من التصعيد. فالشظية المزعومة لم تخلف أثرًا كبيرًا، بينما سارعت الشرطة إلى تضخيم الحدث وإحاطته بإخراج إعلامي وأمني مكثف، بما يخدم الرواية الجاهزة التي تسعى إلى شرعنة الإغلاق وتقديمه كإجراء إنقاذي لا كأداة سيطرة.
وعلى الأرض، انعكست هذه السياسة على القدس القديمة بأكملها. فقد تحولت المدينة إلى فضاء أمني مغلق، مع تكثيف الحواجز وتشديد الإجراءات على مداخل البلدة القديمة، ومنع أعداد كبيرة من المصلين من الوصول إلى المسجد، ما دفع كثيرين للصلاة عند الأبواب وفي الطرقات. كما تلقى التجار المقدسيون ضربة اقتصادية قاسية بعد أن كانوا يعوّلون على موسم رمضان لتحريك الأسواق وتعويض جزء من الخسائر، قبل أن تأتي القيود لتغلق البلدة كما أغلقت المسجد.
وفي البعد السياسي، يكشف ما يجري حجم التراجع في القدرة العربية والإسلامية الرسمية على حماية الوضع التاريخي في القدس. فعلى الرغم من بقاء الوصاية والمرجعيات الدينية قائمة من الناحية الشكلية، فإن الميدان يشي بأن الاحتلال يعمل على تفريغ هذه الأدوار من مضمونها العملي، مستفيدًا من ضعف التحرك الرسمي وغياب خطوات مقابلة قادرة على ردع هذا التغول. وهنا تبرز المخاوف من أن يتحول الإغلاق الراهن إلى مقدمة لمرحلة أخطر، لا تتعلق فقط بمنع الصلاة أو تقييد الوصول، بل بـإعادة تعريف من يملك القرار داخل الأقصى.
وفي المحصلة، فإن ما يجري في المسجد الأقصى تحت غطاء الحرب على إيران لا يبدو إجراءً ظرفيًا مرتبطًا بتطورات أمنية عابرة، بل جزءًا من مشروع أوسع لإعادة هندسة السيادة والوجود في القدس. والاحتلال، وهو يستفيد من اللحظة الإقليمية المضطربة، يحاول أن يدفع بالأقصى نحو واقع جديد تُفرض فيه الوقائع بالقوة وتُهمَّش فيه الحقوق التاريخية والدينية والقانونية. لذلك فإن السؤال لم يعد فقط متى يُرفع الإغلاق، بل هل يُستخدم هذا الإغلاق كنقطة انطلاق لفرض مرحلة جديدة على القدس والأقصى؟
