دخلت المواجهة يومها الثالث والعشرون على وقع تحول استراتيجي بالغ الخطورة، بعدما انتقلت الحرب من استهداف المواقع العسكرية والأمنية إلى فتح جبهة الطاقة والنفط والبنية التحتية، في وقت تتزايد فيه مؤشرات الارتباك الأمريكي وتتسع دائرة الضغط على الكيان الإسرائيلي والقواعد الأمريكية في المنطقة. فقد تجاوز خام برنت 111 دولارًا للبرميل مع تصاعد المخاوف من اضطراب الإمدادات واتساع دائرة الاستهداف المتبادل في منشآت الطاقة، في إشارة إلى أن كلفة الحرب لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت تضرب قلب الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، أكدت إيران أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على منشآت الطاقة الإيرانية فرض عليها الانتقال إلى مرحلة جديدة من الحرب. وبحسب البيانات التي أوردتها، أعلن حرس الثورة الإسلامية تنفيذ الموجة الثالثة والستين من عملية “الوعد الصادق 4” ضد منشآت نفطية مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، موضحًا أن طهران لم تكن تسعى أصلًا إلى توسيع الحرب لتشمل القطاع النفطي أو الإضرار باقتصاد الدول الصديقة والمجاورة، غير أن استهداف البنية التحتية للطاقة في الجمهورية الإسلامية جعل الدفاع عن أمنها الاقتصادي والسيادي يفرض الرد على المنشآت المرتبطة بالمصالح الأمريكية والمساهمين الأمريكيين. ووفق هذه المعادلة، فإن طهران لا تقدم الأمر بوصفه تصعيدًا اختياريًا، بل ردًا مقابلاً على نقل العدوان إلى قطاع الطاقة.
هذا التطور يتقاطع مع ما أكدته تقارير دولية حديثة عن أن الحرب باتت تضرب قلب منظومة الطاقة في الخليج. فقد وصفت رويترز حقل بارس الجنوبي/أسالويه بأنه أصبح في مركز التصعيد الخليجي، نظرًا إلى كونه أحد الأعمدة الرئيسية للطاقة الإيرانية، فيما أدى التصعيد إلى تعطيل تدفقات وإثارة مخاوف ممتدة في أسواق النفط والغاز. كما دفعت الأزمة إدارة ترامب إلى السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي عبر قروض نفطية لشركات كبرى في محاولة لاحتواء أثر القفزة السعرية.
وفي موازاة هذا التحول، بدا أن مضيق هرمز عاد ليشكّل نقطة الارتكاز الأخطر في الحرب. فبحسب رويترز، أعلنت إيران أن المضيق ما يزال مفتوحًا لجميع الملاحة باستثناء السفن المرتبطة بالدول التي تعتبرها معادية، ثم لوّحت لاحقًا بأنها ستُغلقه كاملًا إذا نفذت واشنطن تهديداتها باستهداف محطات الطاقة الإيرانية. وتؤكد هذه المواقف أن طهران لم تعد تنظر إلى هرمز كمسألة بحرية فقط، بل كأداة ردع جيواقتصادي تستخدمها في مواجهة مشروع الخنق الأمريكي. كما أن تهديدات ترامب باستهداف محطات الكهرباء الإيرانية إذا لم يُفتح المضيق بالكامل خلال 48 ساعة، ثم رد إيران بتهديد البنية التحتية للطاقة والمياه وتقنية المعلومات المرتبطة بالمصالح الأمريكية في الخليج، يبرزان أن الحرب باتت تتحرك نحو صدام شامل على شبكة الطاقة الإقليمية.
ومن داخل هذا المشهد، لم تعد أزمة واشنطن محصورة في الخارج، بل بدأت ترتد على مؤسساتها وشبكة تحالفاتها. فقد كشفت رويترز عن استقالة مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب جو كينت احتجاجًا على الحرب، في خطوة عكست تصدعًا داخليًا متزايدًا في تقييم جدوى المواجهة. كما أظهرت المواقف الدولية أن دولًا عدة من الحلفاء والشركاء رفضت الانخراط العسكري المباشر في ملف هرمز، فيما حذر مسؤولون أمريكيون وأوروبيون من أن أي مسار أطول للحرب سيضاعف الكلفة الاقتصادية والسياسية ويقود إلى أزمة طاقة أشد اتساعًا.
وعلى الجبهة الميدانية، استمرت إيران في الضغط على العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية. فبحسب رويترز، أدت ضربات إيرانية في عراد وديمونا إلى سقوط عشرات الجرحى وإصابة مبانٍ عدة، في حين تحدثت إسرائيل عن أضرار إضافية نتيجة ضربات لاحقة بينها قذائف عنقودية في منطقة تل أبيب. كما أشارت البيانات التي أرسلتها إلى الموجة 73 من “الوعد الصادق 4” ضد أهداف في عراد وديمونا وإيلات وبئر السبع وكريات غات، إلى جانب استهداف قواعد أمريكية مثل علي السالم والمنهاد والظفرة. ثم أعقبها إعلان الموجة 74 على قواعد أمريكية أخرى في المنطقة وضربات على تل أبيب وبتاح تكفا وحولون ورامات غان. وتكشف هذه التطورات عن انتقال إيراني أوضح من الدفاع المعتمد على الامتصاص والرد المحدود إلى الهجوم المتتابع المتنوع جغرافيًا ونوعيًا.
وفي مقابل ذلك، واصلت المقاومة الإسلامية في العراق الضغط على القواعد الأمريكية، معلنة – وفق ما أرسلت – تنفيذ 21 عملية نوعية خلال 24 ساعة ضد القواعد الأمريكية داخل العراق والمنطقة، بينما استمر حزب الله في قصف تجمعات العدو ومواقعه في مشروع الطيبة، ومسكاف عام، والخيام، وجَلّ الحمار، والمطلة، ورويسات العلم، وأفيفيم، في مؤشر على أن جبهة الشمال ما تزال عنصر استنزاف فاعل يمنع الاحتلال من استعادة توازن جبهته الداخلية.
كما برز في اليوم نفسه تصعيد دبلوماسي سعودي–إيراني مع إعلان الرياض، بحسب رويترز، طرد الملحق العسكري الإيراني ومساعده وثلاثة دبلوماسيين ومنحهم 24 ساعة للمغادرة، على خلفية اتهامات سعودية مرتبطة باستمرار الضربات على أراضيها. هذا التطور يشير إلى أن الحرب لا تقتصر على الميدان، بل تتمدد إلى الجبهة الدبلوماسية وتهدد ما تبقى من ترتيبات خفض التصعيد في الخليج.
وفي المجال النووي، استمرت التحذيرات من أن استهداف المنشآت الإيرانية يهدد الأمن الإقليمي والبيئة. فقد أدانت روسيا عبر روساتوم الهجوم على محيط محطة بوشهر النووية، مؤكدة أن مستويات الإشعاع بقيت طبيعية، لكنها حذرت من مخاطر العبث بمنشآت نووية عاملة. كما نقلت رويترز عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها لا تعرف على وجه الدقة حالة بعض الأنشطة والمنشآت الإيرانية الجديدة بعد الحرب، وهو ما يضيف بُعدًا خطيرًا إلى أي هجوم يطال نطنز أو بوشهر أو غيرهما من المواقع الحساسة.
وعليه، فإن دمج هذه التطورات في صورة اليوم الثالث والعشرون يكشف أن الحرب دخلت طورًا أكثر تعقيدًا واتساعًا: إيران تعلن أنها لم تكن تريد فتح جبهة الطاقة، لكنها الآن تعتبر أن استهداف منشآتها النفطية فرض عليها الرد في الميدان نفسه؛ واشنطن تلوّح بإخضاع هرمز بالقوة لكنها تواجه تردد الحلفاء وتزايد الكلفة؛ وأسواق النفط بدأت تعكس بوضوح أن أي ضربة جديدة على الطاقة ستترجم فورًا إلى قفزات سعرية واضطراب عالمي. باختصار، لم تعد المعركة صراعًا على مواقع عسكرية فقط، بل أصبحت مواجهة على شكل النظام الإقليمي نفسه: من يملك الطاقة، ومن يتحكم بالممرات، ومن يفرض قواعد الردع الجديدة في غرب آسيا.
