ذات صلة

الأكثر مشاهدة

القوات المسلحة تعلن إسقاط مروحية أباتشي سعودية قبالة نجران بسلاح مناسب

أعلن متحدث القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع، السبت،...

اليوم الرابع والعشرون للعدوان: صواريخ “ردع إيران” تمزق العمق المعادي وتدفع حرب الطاقة إلى حافة الانفجار

دخلت المواجهة الإقليمية خلال الساعات الأخيرة طورًا أكثر خطورة واتساعًا، مع تداخل الجبهات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في مشهد يؤكد أن الحرب لم تعد محصورة في تبادل الضربات المباشرة، بل تحولت إلى معركة استنزاف شاملة تطال القواعد الأمريكية، وعمق الكيان الصهيوني، وأمن الطاقة العالمي، فيما تبدو واشنطن وتل أبيب أمام مأزق متفاقم ميدانيًا وسياسيًا واقتصاديًا.

في الميدان، واصلت إيران تثبيت معادلة الهجوم الواسع والمتدرج، معلنة تنفيذ الموجة الـ77 من عملية “الوعد الصادق 4” ضد أهداف صهيونية في شمال ووسط وجنوب الأراضي المحتلة، إلى جانب قواعد أمريكية شملت علي السالم والخرج والظفرة، باستخدام أنظمة ثقيلة جدًا ودقيقة الإصابة من طراز “خيبر شكن” و“ذو الفقار” إضافة إلى الطائرات المسيّرة الهجومية. وقد سبقت هذه الموجة ضربات متلاحقة استهدفت تل أبيب وبتاح تكفا ورامات غان وحولون ومناطق التحشد العسكري في الشمال، وسط إقرار إعلام العدو بإصابات مباشرة وأضرار واسعة، بينما تحدثت القناة 14 عن استهداف 8 مواقع في منطقة الوسط بصاروخ إيراني متعدد الرؤوس، وأكدت “يديعوت أحرونوت” وقوع دمار كبير في بتاح تكفا.

وتكشف الأرقام الصادرة من داخل الكيان عن تصاعد الكلفة الداخلية للحرب؛ إذ جرى تسجيل أكثر من 14 ألف طلب تعويض عن الأضرار، مع إجلاء 4200 شخص إلى 32 فندقًا، فيما أقر الإعلام العبري بتضرر 278 شقة في ديمونا وعراد، وبأن مخزون صواريخ الاعتراض بات موضع قلق حقيقي، إلى حد أن الرقابة منعت الحديث عن حجمه. كما كشفت “نيويورك تايمز” أن المدير العام لوزارة الحرب الصهيونية سافر إلى واشنطن لطلب مزيد من الصواريخ الاعتراضية والذخائر، دون وضوح ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة أصلًا على تلبية هذا الطلب، وهو ما يعكس أزمة ثقة متفاقمة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وقدرتها على الاستمرار في حرب طويلة من هذا النوع.

وعلى الجبهة الشمالية، واصل حزب الله دفع الجبهة الصهيونية إلى مزيد من الإنهاك، عبر قصف متكرر ومتصاعد طال كريات شمونة، ومركبا، وميرون، والمطلة، ومسكاف عام، وأفيفيم، وثكنة بيت هلل، وموقع هضبة العجل، وإبل القمح، والناقورة، وتلّة العويضة، ومرتفعات يارون ومارون الراس والطيبة، مستخدمًا الصليات الصاروخية والمسيّرات الانقضاضية وقذائف المدفعية. وقد أقر جيش العدو بإصابة 7 جنود خلال 24 ساعة على الحدود مع لبنان، فيما اضطر إسحاق هرتسوغ نفسه إلى دخول الملاجئ أثناء وجوده في كريات شمونة، في مشهد يختصر حجم الضغط الميداني والنفسي على الشمال المحتل. كما تحدث الإعلام العبري عن قصف كثيف من لبنان وطلب من سكان الشمال البقاء قرب الملاجئ حتى إشعار آخر.

في موازاة ذلك، واصلت الفصائل العراقية تصعيدها ضد الوجود الأمريكي، مع إعلان المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ 21 عملية نوعية ضد القواعد الأمريكية داخل العراق والمنطقة خلال 24 ساعة، بينما تعرّضت طبابة قيادة عمليات الجزيرة في ناحية جرف النصر إلى عدوان جديد بأربع غارات، في مؤشر على أن الجبهة العراقية ما تزال عنصر استنزاف ثابت ومفتوح، يربك الانتشار الأمريكي ويمنع أي استقرار لوجستي أو عملياتي للقوات الأمريكية في غرب آسيا.

أما في الخليج، فقد أخذت المواجهة بعدًا أخطر مع تزايد المؤشرات على تآكل المظلة الأمريكية التي طالما قُدمت بوصفها ضمانة لحماية الحلفاء. فقد كشفت رويترز أن التحليل الفني لانفجار البحرين الذي أسفر عن إصابة 32 مدنيًا وتدمير منازل في حي المهزة يرجح أن يكون ناتجًا عن صاروخ باتريوت أمريكي أُطلق من بطارية قرب الرفاع، لا عن مسيّرة إيرانية كما زعمت الرواية الرسمية البحرينية، وهو ما يفتح الباب أمام تشكيك واسع في صدقية الخطاب الأمني الخليجي وفي كفاءة أنظمة الدفاع الأمريكية. كما تزامن ذلك مع إعلان قطر مقتل 7 عسكريين بينهم 3 أتراك في حادث سقوط مروحية في البحر، في وقت أصابت فيه مقذوفات مجهولة سفينة قرب الشارقة، وتعطلت حرية الحركة الجوية تدريجيًا مع زيادة القيود على الرحلات في “إسرائيل”، ثم نقل السفارة الأمريكية رعاياها بالحافلات إلى مطار عمّان بعد توقف مطار بن غوريون.

اقتصاديًا، اتضح أن الحرب دخلت صلب معركة الطاقة العالمية. فقد ارتفع خام برنت إلى 114 دولارًا للبرميل، فيما حذّر المدير العام لوكالة الطاقة الدولية من أن الوضع في الشرق الأوسط أصبح أسوأ من أزمتي النفط في السبعينيات مجتمعتين، مؤكدًا أن 40 منشأة طاقة على الأقل تضررت بشدة جراء الحرب. كما أفادت رويترز أن أرامكو السعودية خفضت إمدادات الخام للمشترين الآسيويين للشحن في أبريل، فيما تراجعت بورصات دولية وتضررت سلاسل الطيران والشحن، حتى اضطرت لوفتهانزا إلى تعليق رحلاتها إلى دبي وتل أبيب لفترات طويلة. وفي الداخل الأمريكي، ارتفع سعر البنزين بنسبة 32.2% منذ بدء الحرب، ما يؤكد أن تداعيات المعركة لم تعد بعيدة عن الشارع الأمريكي نفسه.

في هذا السياق، كررت طهران رسم خطوطها الحمراء بوضوح. فقد أكد عباس عراقجي أن مضيق هرمز ليس مغلقًا، وأن توقف السفن يعود إلى خوف شركات التأمين من “الحرب الاختيارية” التي بدأتها واشنطن، لا إلى قرار إيراني، مشددًا على أن حرية الملاحة لا تنفصل عن حرية التجارة. وفي المقابل، لوّح مقر خاتم الأنبياء بأن أي استهداف أمريكي لمحطات الطاقة الإيرانية سيقود فورًا إلى إغلاق كامل لمضيق هرمز، ولن يُعاد فتحه حتى تُعاد بناء المنشآت المتضررة، مع توسيع دائرة الرد لتشمل محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة وتقنية المعلومات التابعة للكيان، والشركات ذات المساهمين الأمريكيين، بل وحتى محطات الطاقة في الدول التي تستضيف قواعد أمريكية. وبهذا، تكون طهران قد نقلت الحرب من منطق الرد العسكري المحدود إلى معادلة ردع اقتصادي–استراتيجي مفتوح.

إلى جانب ذلك، برز تطور نوعي في الميدان العسكري الإيراني مع الحديث عن استخدام طائرات “آرش 2” الهجومية ضد مركز صناعات الفضاء الجوي الصهيوني قرب بن غوريون وضد مواقع تمركز طائرات الاستطلاع الأمريكية في قاعدة الأمير سلطان، وكذلك استهداف قاعدة تل نوف الجوية ومواقع وجود مقاتلات F-35 وF-15 في قاعدة الأزرق. كما أعلن الجيش الإيراني إسقاط 127 طائرة مسيّرة معادية منذ بداية العدوان، بينها مسيّرات في أجواء طهران وجنوب شرق إيران، بما في ذلك طائرة أمريكية من طراز “لوكاس”. هذا التطور يؤكد أن إيران لم تعد تخوض المعركة بمنطق الصمود الدفاعي فقط، بل باتت تتحرك وفق عقيدة هجومية أعلنها صراحة قائد مقر خاتم الأنبياء حين قال إن القوات المسلحة تحولت من الدفاع إلى الهجوم، وغيّرت تكتيكات ساحة المعركة بما ينسجم مع هذا التحول.

في المقابل، تشير اعترافات العدو نفسه إلى عمق المأزق. فقد أقرت “هآرتس” بأن الدفاع محدود وليس مخزنًا لا ينفد، وأن الحرب الحالية كشفت تقديرًا خاطئًا لقدرات إيران ونواياها، وأن الحملة الجوية “المبهرة” لم تغيّر الواقع كما كان مأمولًا. كما نقلت “نيوزويك” أن الحرب قد تنتهي في وضع تعتقد فيه إيران أنها انتصرت، وأن هذا التقدير ليس مبالغًا فيه، في ظل القلق المتزايد من استنزاف الصواريخ الاعتراضية. أما “بلومبرغ” فذهبت إلى أن نتنياهو وروبرت مردوخ دفعا ترامب إلى الحرب، في حين تحدثت “نيويورك تايمز” عن فشل خطة الموساد لإشعال الداخل الإيراني.

داخليًا، بدت الدولة الإيرانية أكثر تماسكًا على المستوى الأمني والسيبراني. فقد أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية اعتقال 23 عميلًا أرسلوا إحداثيات مواقع عسكرية وأمنية في محافظة مركزي، فيما كشفت تسنيم القبض على المسؤول الرئيسي المرتبط بشبكة تجسس صهيونية في تشهارمحال وبختياري، بينما دعت قيادة الأمن السيبراني الإيرانية المواطنين إلى إزالة التطبيقات غير الرسمية وإيقاف أجهزة الإنترنت في أوقات عدم الاستخدام تحسبًا للاعتداءات السيبرانية. وفي المقابل، أعلنت مجموعة “حنظلة” نشر خرائط البنية التحتية للمياه والكهرباء التابعة للكيان والمنطقة، في إشارة إلى انتقال جزء من الحرب إلى الجبهة السيبرانية والبنى الحرجة.

إنسانيًا، استمرت الكلفة في التصاعد على أكثر من ساحة. ففي غزة ارتفعت الحصيلة إلى 72,263 شهيدًا و171,944 جريحًا، مع سقوط ضباط شرطة ومواطنين خلال أيام عيد الفطر، فيما تجاوز عدد شهداء لبنان 1039 شهيدًا و2876 جريحًا منذ بدء العدوان، وتواصل قصف الجسور والبلدات والضاحية الجنوبية بما يشير إلى توجه صهيوني نحو التدمير المنهجي للبنية التحتية اللبنانية. كما كشفت السلطات الإيرانية أن العدو استهدف حتى الآن 5 منشآت مائية و275 مركزًا صحيًا و498 مدرسة و43 سيارة إسعاف، ما يعكس اتساع الاعتداء ليطال القطاعات المدنية والإنسانية بصورة مباشرة.

سياسيًا، نفت طهران بشكل قاطع أي حديث عن مفاوضات مع واشنطن. فقد أكد وزير الخارجية العماني عدم صحة ما قاله ترامب بشأن وجود مفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران متمسكة برفض أي حوار قبل تحقيق أهدافها من الحرب. كما شدد قاليباف والمتحدث باسم الخارجية الإيرانية وإبراهيم رضائي على أنه لم تجر أي مفاوضات، وأن الأخبار المتداولة ليست سوى حرب نفسية للتلاعب بأسواق الطاقة والمال والهروب من المأزق الأمريكي–الإسرائيلي. وفي الاتجاه نفسه، أعلن محسن رضائي أن الحرب ستستمر حتى تعويض جميع خسائر إيران ورفع العقوبات الاقتصادية والحصول على ضمان قانوني دولي بعدم التدخل الأمريكي، محذرًا من أن أي استهداف جديد للبنى التحتية الإيرانية لن يقابل برد “عين بعين”، بل بضربة تُصيب “عينًا ورأسًا ويدًا وقدمًا” وتشُل أمريكا بالكامل.

وفي المحصلة، تكشف تطورات هذا اليوم أن المعركة تجاوزت إطار “جولة تصعيد” أو “ردود متبادلة”، وأصبحت صراعًا على شكل النظام الإقليمي نفسه. إيران لم تعد تدير الحرب بوصفها دفاعًا عن حدودها فقط، بل كجزء من معركة استراتيجية على السيادة والطاقة والممرات والردع. والكيان الصهيوني لم يعد يواجه خطر الصواريخ فحسب، بل تآكل الثقة الداخلية واستنزاف الدفاعات واهتزاز صورة الحسم السريع. أما واشنطن، فتجد نفسها أمام حرب أرادت منها تأديب إيران، فإذا بها تتحول إلى مستنقع إقليمي مفتوح تتآكل فيه قواعدها، وترتفع فيه أسعار الطاقة، وتتراجع فيه فاعلية تحالفاتها. وبذلك، فإن الساعات الأخيرة لم تثبت فقط أن الحرب تتوسع، بل أكدت أن معادلاتها الأساسية بدأت تميل ضد من بدأها.

spot_imgspot_img