ذات صلة

الأكثر مشاهدة

القوات المسلحة تعلن إسقاط مروحية أباتشي سعودية قبالة نجران بسلاح مناسب

أعلن متحدث القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع، السبت،...

الصبيحية وباب المندب

ياسين سعيد نعمان - حمدي شكري الصبيحي و محمود...

سُنَنُ اللهِ في مُوَاجَهَةِ الطُّغْيَانِ

شرع الله في أرضه سُننًا إلهيةً عظيمةً، لتسير الحياة...

«ابن سلمان» ليس بطلاً قومياً..!

من قال إن «محمد بن سلمان» رفض عرض «نتنياهو»...

تفاصيل اليوم السادس والعشرون: إيران تُحكم معادلة هرمز بالنار.. وتوسّع ضربات الاستنزاف على القواعد الأمريكية والعمق الصهيوني

أكمل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران يومه السادس والعشرين في ظل تصعيد نوعي كشف أن المعركة لم تعد تدور عند حدود الضربات المتبادلة، بل انتقلت إلى مرحلة إعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم، مع اتساع الضربات الإيرانية على العمق الصهيوني والقواعد الأمريكية، وتثبيت طهران معادلة جديدة في مضيق هرمز، بالتوازي مع تصاعد ضغط حزب الله على الجبهة الشمالية، واندفاع المقاومة العراقية نحو توسيع دائرة الاستنزاف ضد الوجود الأمريكي في المنطقة.

ومنذ الساعات الأولى، بدا واضحًا أن طهران تمضي في تكريس إرادة الحسم الميداني لا انتظار المخرجات الدبلوماسية، إذ أعلن التلفزيون الإيراني إطلاق دفعات صاروخية جديدة باتجاه تل أبيب والقدس المحتلة، فيما أكد حرس الثورة الإسلامية تنفيذ الموجة الثمانين من عملية “الوعد الصادق 4” ضد مواقع استراتيجية ومراكز عسكرية شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة، شملت مركز قيادة عسكريًا شمال صفد، وأهدافًا في تل أبيب وكريات شمونة وبني براك، إلى جانب قواعد أمريكية في المنطقة، باستخدام صواريخ دقيقة تعمل بالوقود الصلب والسائل وطائرات مسيّرة هجومية. ولم تمض ساعات حتى أعلن الحرس تنفيذ الموجة الحادية والثمانين التي استهدفت أكثر من 70 هدفًا في الأراضي المحتلة، بينها حيفا، وديمونا، والخضيرة، وشمال وجنوب تل أبيب بصواريخ عماد وقيام وخرمشهر 4 وقدر، مؤكدًا أن الضربات الأخيرة رفعت خسائر العدو بصورة كبيرة، خصوصًا بعد الموجات الثلاث الأخيرة.

وقد انعكست هذه الضربات مباشرة على الداخل الصهيوني، حيث أقرت وسائل إعلام العدو بسقوط مقذوفات انشطارية في 30 موقعًا نتيجة القصف الإيراني، وبإطلاق 4 دفعات صاروخية خلال 40 دقيقة فقط، مع تجدد صفارات الإنذار في تل أبيب ومحيطها، ونتانيا، والخضيرة، والعفولة، وسماع انفجارات قوية في الوسط، وتصاعد دخان أسود كثيف من الخضيرة بعد سقوط صاروخ قرب محطة توليد الكهرباء. كما أقرت القنوات العبرية بأن ست ساحات مختلفة في تل أبيب ومحيطها شهدت سقوط مقذوفات انشطارية، فيما فشلت طائرة إسرائيلية قادمة من لارنكا في الهبوط وعادت إلى البحر بسبب القصف المتواصل، في مشهد يعكس شللًا عملياتيًا متزايدًا في المرافق الحيوية الإسرائيلية. ووفق هذه المعطيات، فإن الضربات الإيرانية لم تعد تستهدف البنية العسكرية التقليدية فقط، بل توسعت لتطال المراكز اللوجستية، ومفاصل الإمداد، والبنى الحساسة للطاقة والاتصالات والصناعات العسكرية.

في المقابل، وسّعت إيران دائرة الرسائل العسكرية نحو البحر والقواعد الأمريكية. فقد أعلن حرس الثورة استهداف حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” بصواريخ كروز ساحلية، بينما شدد قائد البحرية الإيرانية على أن القوات الإيرانية تسيطر “بقوة واقتدار” على مضيق هرمز والخليج، وأن الحاملة ستكون هدفًا ساحقًا بمجرد دخولها في مرمى الأنظمة الصاروخية الإيرانية. وفي هذا السياق، أكدت الخارجية الإيرانية، بعد اتصال بين عراقجي ونظيره الصيني، أن انعدام الأمن في الخليج ومضيق هرمز هو نتيجة مباشرة للعدوان الأمريكي الإسرائيلي، وأن المضيق مغلق أمام السفن الأمريكية والصهيونية والأطراف الضالعة في العدوان، بينما يسمح بعبور السفن غير المعادية بالتنسيق مع السلطات الإيرانية ووفق اللوائح الأمنية. كما شددت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة على أن مرور السفن غير المعادية يتم بشكل آمن إذا التزمت بالتعليمات ولم تدعم أعمالًا عدائية ضد إيران.

ولم تكتف طهران بذلك، بل ذهبت أبعد سياسيًا واستراتيجيًا حين أعلن مقر خاتم الأنبياء أن وضع مضيق هرمز لن يعود إلى ما كان عليه، وأن المرور منه لن يكون إلا لمن تريده إيران، مؤكدا أن الطريق مسدود أمام الأعداء وحلفائهم بعد إعادة صياغة قوانين العبور بشكل ثابت ومحكم. ومع هذا التحول، لم يعد المضيق مجرد ممر ملاحي متوتر، بل أصبح أداة سيادية وردعية بيد إيران، تُدار ضمن تصور جديد للأمن الإقليمي يربط بين حرية العبور وموقف الدول من العدوان.

وفي موازاة ذلك، طرحت طهران رؤية سياسية مغايرة تمامًا لمنظومة الأمن التي حاولت واشنطن فرضها لعقود. فقد أعلن المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء استعداد إيران لإقامة اتحاد أمني وعسكري في المنطقة مع الجيران الأعزاء، من دون حضور أمريكا والكيان الصهيوني، معتبرًا أن أمن المنطقة لا يحتاج إلى دولة تبعد آلاف الكيلومترات وتجعل أمن إسرائيل ومصالحها أول همومها، بل إلى اتحاد أمني إسلامي شامل يعكس منطق العقلانية السياسية ومصالح شعوب المنطقة. ويكشف هذا الطرح أن إيران لا تتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد مواجهة دفاعية، بل كفرصة لإسقاط فكرة الوصاية الأمريكية وطرح بديل إقليمي قائم على إخراج واشنطن وتل أبيب من معادلة الأمن.

على الجبهة العراقية، استمر النزيف الأمريكي في الاتساع. فقد أعلنت المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ عمليات جديدة ضد قواعد العدو، فيما أكدت وزارة الدفاع العراقية تعرض مستوصف الحبانية العسكري ومرافق أخرى لضربة جوية أسفرت عن استشهاد 7 مقاتلين وإصابة 13 أثناء تأديتهم واجبهم الوطني والإنساني، ووصفت ذلك بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي يستوجب الرد. كما نددت هيئة الحشد الشعبي بالعدوان الأمريكي على مواقع الجيش العراقي في الأنبار، مؤكدة أن دماء الشهداء لن تذهب سدى. وفي المقابل، أعلنت سرايا أولياء الدم أن المقاومة العراقية تستهدف الوجود الأمريكي حصراً في الدول الخليجية والأردن، محذرة من أن نشر واشنطن 5 آلاف عسكري إضافي سيدفعها إلى تكثيف العمليات في كل بلد يتواجد فيه هذا الحضور العسكري.

أما على الجبهة اللبنانية، فكان حزب الله حاضرًا بقوة في مشهد اليوم السادس والعشرين، منفذًا واحدة من أوسع موجات الضغط الناري والميداني على جيش الاحتلال ومغتصباته. فقد استهدف تجمعات الجنود والآليات في القوزح، والطيبة، ودبل، وبيت ليف، وعلما الشعب، ومحيط معتقل الخيام، وموقع الحمامص، وبركة بلدة دبل، ومحيط بلدة القنطرة، ونجح في تدمير دبابات ميركافا وجرافات D9 وآلية همر، إضافة إلى استهداف مروحية عسكرية أثناء محاولة الهبوط لإخلاء الإصابات وإجبارها على التراجع بصاروخ دفاع جوي. كما طالت الصليات الصاروخية والمسيّرات الانقضاضية ثكنة يفتاح، وقاعدة ميرون، والكريوت شمال حيفا، ونهاريا، والمطلة، وكريات شمونة، ودفنا، وشلومي، وبيت هلل، وكرم بن زمرة، إلى حد إعلان حزب الله تنفيذ 77 عملية عسكرية منذ فجر اليوم استهدفت تجمعات ومواقع ومغتصبات وآليات العدو الإسرائيلي.

هذا الزخم الميداني ترافق مع موقف سياسي واضح من الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، الذي أكد أن المقاومة أعدّت العدة المناسبة وهي مصممة على الاستمرار بلا سقف، وأن العدوان الأمريكي الإسرائيلي يريد تجريد لبنان من قوته وسلب سيادته وإحداث الفتنة وشرعنة الاحتلال، مشددًا على أن التفاوض مع العدو تحت النار استسلام، وأن المقاومة تخوض معركة دفاعية عن لبنان ولن تُهزم مهما بلغت التضحيات. كما انتقد قرارات الحكومة اللبنانية التي تخدم، ولو من حيث النتيجة، المشروع الإسرائيلي، وعلى رأسها قرار سحب اعتماد السفير الإيراني، وهو القرار الذي قوبل أيضًا برفض واضح من حركة أمل، التي اعتبرته خطوة مشبوهة وخارجة عن المألوف الوطني.

وفي فلسطين، استمر العدو في ارتكاب جرائمه بالتوازي مع عدوانه على إيران ولبنان والعراق. فقد أعلنت وزارة الصحة في غزة ارتفاع حصيلة العدوان إلى 72,265 شهيدًا و171,959 جريحًا، فيما تواصل القصف على شرق مدينة غزة، ودير البلح، ومخيمات النازحين، بالتزامن مع تحذيرات حركة حماس وحركة المجاهدين الفلسطينية من خطورة مشروع إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست بالقراءة الأولى، واعتبرته الحركتان تصعيدًا إرهابيًا وشرعنة صريحة للقتل الجماعي داخل السجون.

على المستوى الدولي، تكاثرت المؤشرات على الارتباك الغربي وبدء البحث عن مخرج. فقد تحدثت وول ستريت جورنال عن وساطة من تركيا ومصر وباكستان لعقد اجتماع أمريكي إيراني خلال 48 ساعة، فيما نقلت CNN عن مسؤولين في إدارة ترامب أن العمل جارٍ لترتيب اجتماع في باكستان نهاية الأسبوع لمناقشة مخرج من الحرب. لكن طهران قابلت هذه المساعي بحذر شديد، بل برفض واضح لمنحها صفة “التفاوض”. فقد أكد عراقجي أن ما يصل من رسائل عبر الدول الصديقة لا يسمى تفاوضًا، وأن سياسة إيران هي مواصلة المقاومة والدفاع عن البلاد دون أي نية لإجراء مفاوضات في ظل العدوان. كما شدد مسؤول سياسي–أمني إيراني رفيع عبر برس تي في على أن إيران ستنهي الحرب في الوقت الذي تقرره هي، وليس في الوقت الذي يحدده ترامب، وأن أي وقف لإطلاق النار لن يتم إلا بقبول شروطها، التي تشمل وقف العدوان والاغتيالات، وتقديم ضمانات ملموسة بعدم تكرار الحرب، ودفع تعويضات وغرامات الحرب، وإنهاء الحرب في جميع الجبهات، وشمول جميع فصائل المقاومة، والاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز.

اقتصاديًا، واصلت الحرب إلقاء ظلالها الثقيلة على العالم. فقد حذرت فايننشال تايمز نقلًا عن وزير الطاقة الكندي من أن العالم يواجه أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة في التاريخ بسبب الحرب على إيران، فيما أشارت بلومبرغ إلى أن شركات بريطانية تواجه فواتير غاز أعلى بنسبة تصل إلى 80%، وتحدثت فايننشال تايمز عن تراجع مبيعات السندات الأمريكية بسبب ضعف الطلب وتصاعد مخاوف التضخم، بينما حذر مسؤول في بنك إنجلترا من أضرار طويلة الأمد ناجمة عن الحرب على إيران. كما أظهرت نيويورك تايمز أن دعم أمين عام الناتو لحرب ترامب أثار غضبًا داخل الحلف، حيث ترى غالبية الدول الأعضاء أنها حرب مخالفة للقانون الدولي، بما يهدد وحدة الحلف نفسه.

أما عسكريًا، فقد تواصلت مؤشرات الإنهاك الأمريكي. إذ كشفت بلومبرغ أن حاملة الطائرات “فورد” تواجه مشاكل أعمق بكثير من الحريق الذي غادرت بسببه الشرق الأوسط، تشمل موثوقية أنظمة إطلاق واستعادة الطائرات، والرادار، ومصاعد الذخائر، وقدرتها على مواجهة الصواريخ المضادة للسفن أو الطائرات الهجومية. كما أعلن حرس الثورة إسقاط 3 طائرات مسيّرة أمريكية صهيونية من نوع هيرمس في خوزستان، قبل أن يؤكد إصابة مقاتلة أمريكية F-18 في أجواء جابهار وسقوطها في المحيط الهندي، لتصبح، وفق البيان الإيراني، رابع مقاتلة استراتيجية تُسقط منذ بدء الحرب.

وفي المحصلة، يكشف اليوم السادس والعشرون أن إيران لم تعد تقاتل من موقع الدفاع عن النفس فحسب، بل من موقع إعادة رسم القواعد السياسية والعسكرية للأزمة. فقد ثبتت سيادتها على هرمز، ووسعت ضرباتها على القواعد الأمريكية والعمق الصهيوني، ودفعت العدو إلى التراجع نحو البحث عن مخارج تفاوضية مشروطة، بينما يواصل حلفاؤها في لبنان والعراق استنزاف المشروع الأمريكي الإسرائيلي على امتداد الجغرافيا. وبذلك، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الحرب ستتوقف، بل على أي شروط ستتوقف، ومن الذي يملك حق إعلان نهايتها. ووفق المعادلة التي ترسخت خلال هذا اليوم، تبدو الإجابة الإيرانية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: إيران هي من ستقرر نهاية الحرب، لا واشنطن ولا تل أبيب.

spot_imgspot_img