في مشهد سياسي ووطني يعكس رسوخ الموقف اليمني بعد أحد عشر عاماً من الحرب والحصار، أحيت العاصمة صنعاء اليوم الوطني للصمود بسلسلة فعاليات وخطابات أكدت أن اليمن لم يخرج من معركة العدوان منهكاً، بل أكثر صلابةً ووعياً وقدرةً على الدفاع عن سيادته وحقوق شعبه، فيما حملت الرسائل الصادرة عن القيادة السياسية والمرجعيات الدينية تحذيراً واضحاً من أن استمرار المماطلة، خصوصاً في ملف المرتبات ورفع الحصار وتنفيذ الاستحقاقات المتفق عليها، لن يظل بلا رد.
وفي هذا السياق، شدد الرئيس مهدي المشاط في كلمته بمناسبة اليوم الوطني للصمود على أن مرور 11 عاماً منذ 26 مارس 2015 لم يزد اليمنيين إلا ثباتاً، مؤكداً أن ما تعرض له اليمن منذ ذلك التاريخ لم يكن مجرد حرب عابرة، بل عدوان خارجي غادر تقوده السعودية بإشراف أمريكي وفي سياق مشروع أوسع يتكشف اليوم تحت عناوين “إسرائيل الكبرى” و**”الشرق الأوسط الجديد”**. وأوضح أن هذا العدوان استهدف الإنسان اليمني والبنية التحتية والمدارس والموانئ والمطارات والطرقات وصالات الأعراس ومجالس العزاء، في حرب قال إنها تجاوزت كل القيم الدينية والإنسانية والقانونية.
وأكد المشاط أن من أبرز مكاسب الصمود اليمني أنه أعاد لليمن مكانته التاريخية ورسخ دعائم الدولة الحقيقية، وبنى جيشاً مؤمناً ومدرباً ومقتدراً، وأجهزة أمنية يقظة قادرة على حماية البلد ومكتسباته. وأضاف أن صنعاء اختارت السلام، لكن السلام الذي يليق بدماء الشهداء، ويقوم على الندية لا الإملاءات، ويحفظ السيادة والكرامة والحقوق غير المنقوصة.
وفي لهجة مباشرة تجاه الرياض، أشار الرئيس المشاط إلى أن استحقاقات الهدنة وخارطة الطريق لا تزال محل مماطلة سعودية، وأن الفرص أتيحت مراراً لتحقيق سلام حقيقي، إلا أن النظام السعودي، ومن خلفه الولايات المتحدة، يواصلان التنصل من الالتزامات، ورفض تسليم المرتبات من ثروات الشعب اليمني، والإصرار على إبقاء الحصار والعقوبات الاقتصادية. وشدد على أن صبر الشعب اليمني لن يكون بلا نهاية، وأن اليمن قادم على انتزاع حقوقه بالطريقة التي يراها مناسبة، مؤكداً في الوقت ذاته أن صنعاء ستنتزع جميع حقوق الشعب كاملة غير منقوصة.
كما جدد المشاط تأكيد وقوف صنعاء إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي، معتبراً أن ما تتعرض له إيران هو عدوان سافر يدخل في مسار الأطماع الصهيونية في المنطقة، وداعياً الدول العربية والإسلامية إلى ألا تكون أداة في تنفيذ هذا المشروع إذا لم تكن جزءاً من إفشاله.
بالتوازي مع ذلك، حملت الفعالية التي نظمتها رابطة علماء اليمن والهيئة العامة للأوقاف والإرشاد في صنعاء رسائل تعبئة وصمود واضحة. فقد أكد مفتي الديار اليمنية العلامة شمس الدين شرف الدين أن إحياء هذه الذكرى يأتي في إطار التعبئة العامة وتعزيز الثبات في مواجهة الأعداء، داعياً إلى دعم جبهات الصمود من خلال الإنفاق في سبيل الله ومشاركة رجال المال في إسناد القوات الصاروخية والبحرية والجوية. من جهته، قال العلامة فؤاد ناجي، نائب رئيس الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد، إن اليوم الوطني للصمود هو يوم حمد وشكر لله الذي ثبت اليمنيين في مواجهة الحلف الأمريكي السعودي، مستذكراً الشهداء والجرحى بوصفهم عنوان الصمود إلى جانب الشعب الصابر والمضحي.
وفي البيان الصادر عن رابطة علماء اليمن وهيئة الأوقاف، جرى التأكيد على أن صمود الشعب اليمني وجهاده أثمر إسناداً لغزة وفلسطين وصنع نموذجاً ملهماً للأمة، مع إدانة إغلاق المسجد الأقصى والانتهاكات الصهيونية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، إلى جانب الحصار والعدوان على غزة والصمت العربي تجاهه. كما جدد البيان الموقف الإيماني والتضامن الأخوي مع إيران في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي، وأكد مشروعية استهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز أمام الأعداء، مشيداً ببطولات حزب الله وثباته، وداعياً الشعب اللبناني والأمة إلى دعمه، كما طالب الحكومة اللبنانية بعدم طعن المقاومة في ظهرها.
وتكشف مجمل هذه المواقف أن صنعاء تتعامل مع اليوم الوطني للصمود ليس باعتباره ذكرى رمزية فقط، بل باعتباره محطة سياسية وتعبوية واستراتيجية لإعادة تأكيد معادلات المرحلة المقبلة: لا قبول باستمرار الحصار، لا تفريط في الحقوق، لا تراجع عن دعم قضايا الأمة، ولا استعداد لسلام شكلي يبدد تضحيات أحد عشر عاماً من الصمود. وفي هذا الإطار، بدت الرسالة اليمنية واضحة: السلام ما يزال خياراً قائماً، لكنه سلام الحقوق والسيادة، أما المماطلة والتنصل، فلن يواجها إلا بموقف يمني أكثر حزماً وإصراراً.
