دخل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران يومه السابع والعشرين في ظل مشهد ميداني وسياسي أكثر تعقيداً بالنسبة لواشنطن وتل أبيب، بعدما واصلت الجمهورية الإسلامية توسيع بنك أهدافها داخل القواعد الأمريكية وفي عمق الكيان الصهيوني، فيما رسّخ حزب الله معادلة نارية قاسية على الجبهة اللبنانية، محولاً محاور التقدم الصهيوني إلى مصائد مدرعة، في وقت بدت فيه القوات الأمريكية في المنطقة أقرب إلى حالة الإنهاك والتشتت وفقدان القدرة العملياتية المستقرة.
منذ الساعات الأولى، أظهرت التطورات أن زمام المبادرة الميدانية لا يزال بيد محور المواجهة، حيث أعلنت وزارة الصحة اللبنانية سقوط شهداء وجرحى جراء غارات صهيونية على كونين وتولين والبيسارية، في مقابل رد ميداني مباشر للمقاومة الإسلامية في لبنان التي واصلت استهداف الدبابات والتجمعات والآليات المعادية. فقد أعلن حزب الله استهداف دبابة ميركافا في دبل بصاروخ موجّه وإصابتها مباشرة، إلى جانب قصف تجمع لجنود وآليات العدو في محيط معتقل الخيام للمرة الخامسة بسرب من المسيّرات الانقضاضية، قبل أن تتطور المعركة لاحقاً إلى واحدة من أعنف جولات الاشتباك البري على محور القنطرة – الطيبة – دير سريان.
وفي هذا السياق، كشفت غرفة عمليات المقاومة الإسلامية عن تفاصيل عملية نوعية وصفتها بالكمين المحكم، حيث جرى استدراج سرية مدرعة من اللواء السابع التابع للفرقة 36 بعد رصد تحركاتها الاستطلاعية، ثم استهداف نسق مدرعاتها بصواريخ موجّهة ما أدى إلى تدمير 4 دبابات ميركافا وجرافة D9 دفعة واحدة، قبل استكمال تدمير الاستعداد الخلفي للعدو رغم محاولته الاحتماء بستار دخاني كثيف. وأكد البيان أن الحصيلة في محور الطيبة خلال يومين فقط بلغت تدمير 18 دبابة ميركافا بعد إفشال محاولة سابقة باتجاه دير سريان. ثم توالت بيانات حزب الله لتؤكد استهداف الدبابة الثامنة في القنطرة، وتدمير 3 دبابات أخرى في تلة المحيسبات بالطيبة، والاشتباك مع قوات العدو من مسافة صفر في دير سريان، مع قصف قاعدة دادو شمال صفد، وموقعي مسكاف عام والعباد، في مشهد يعكس فشلاً صهيونياً واضحاً في فرض أي اختراق بري مستقر.
بالتوازي مع ذلك، تواصلت الضربات الإيرانية على العمق الصهيوني ضمن مسار تصاعدي واضح. فقد أكد مقر خاتم الأنبياء في بيانه التفصيلي للموجات 79 و80 و81 من عملية “الوعد الصادق 4” أن إيران استهدفت أم الرشراش ومحطات استقبال الأقمار الصناعية المرتبطة بجيش العدو، ثم المراكز الاستراتيجية والعسكرية والأمنية شمال الأراضي المحتلة، قبل أن توسّع الموجة 81 بنك الأهداف إلى أكثر من 70 نقطة بينها حيفا وديمونا والخضيرة. كما أكد البيان استهداف القواعد الأمريكية في الأزرق، والشيخ عيسى، وعلي السالم، وعريفجان، إلى جانب مواقع تجمع القوات الأمريكية وعملائها في أربيل، فضلاً عن إطلاق صواريخ كروز “قدير” باتجاه حاملة الطائرات أبراهام لينكولن بما أجبرها على تغيير موقعها.
وفي تصعيد جديد، أعلن الحرس الثوري الإيراني إطلاق الموجة 82 من عمليات الوعد الصادق 4، مؤكداً أنها استهدفت منشآت ومعدات للعدو الأمريكي في 4 قواعد عسكرية في المنطقة، قبل أن يوضح لاحقاً أن الضربة استهدفت قواعد ورادارات وحظائر طائرات أمريكية. وتزامن ذلك مع حديث مصادر صهيونية عن أن إيران وجهت ضربة صاروخية إلى معهد التخنيون، الذي يمثل العمود الفقري لتكنولوجيا الصناعات الدفاعية للكيان، ما يكشف أن طهران تمضي في نقل المواجهة من مجرد استهداف البنية العسكرية التقليدية إلى ضرب الأعصاب التكنولوجية واللوجستية والعلمية التي تغذي الماكينة الحربية الصهيونية.
ميدانياً، عكست الوقائع على الأرض حجم الاختراق الإيراني لمنظومات الحماية الإسرائيلية. فقد تحدثت وسائل إعلام العدو عن سقوط رؤوس متفجرة في 5 مواقع بحيفا وخليجها، وعن إصابة مباشرة في مبنى في حيفا، وسقوط شظايا ومقذوفات في كفر قاسم، وبيت شيمش، والضفة الغربية، واندلاع النيران في حافلة ركاب، إلى جانب إصابات مباشرة وأضرار مادية واسعة وحالة هلع في صفوف المستوطنين. كما أقرت مصادر عبرية بوجود هجوم متزامن على شمال فلسطين المحتلة بالصواريخ والمسيّرات من لبنان وإيران، وهو ما يعكس مستوى التنسيق والضغط المركب الذي بات ينهك الجبهة الشمالية والداخل الإسرائيلي في آن واحد.
وفي السياق نفسه، ظهر أثر الضربات الإيرانية على القدرة الأمريكية في الإقليم بصورة أكثر وضوحاً. فقد نقلت نيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين أن إيران أجبرت القوات الأمريكية على العمل عن بُعد بسبب استهداف قواعدها في الشرق الأوسط، وأن الهجمات الإيرانية ألحقت أضراراً جسيمة بهذه القواعد، ما اضطر واشنطن إلى نقل قواتها إلى فنادق ومكاتب مؤقتة، وتوزيع آلاف الجنود خارج القواعد، بل ونقل بعضهم إلى أوروبا. وأكد التقرير أن هذا التشتت أفقد القوات الأمريكية جزءاً من قدرتها العملياتية، وأن القواعد أصبحت غير صالحة للإقامة، مع الإقرار بأن قاعدة الأمير سلطان في السعودية تعرضت لضربات أصابت معدات الاتصالات وطائرات التزود بالوقود، وأن غياب التحصينات فوق مراكز القيادة أدى إلى مقتل وإصابة جنود أمريكيين.
هذا التآكل الميداني ترافق مع أزمة داخلية أمريكية اقتصادية وسياسية متفاقمة. فقد أبرزت نيويورك تايمز أن سعر جالون البنزين في كاليفورنيا اقترب من 6 دولارات منذ بدء الحرب على إيران، وأن الحرب تكلف الأمريكيين 1.5 مليار دولار إضافية عند مضخات الوقود هذا الأسبوع وحده، فيما أكد حاكم الولاية أن ما يحصل عليه الأمريكيون من حرب ترامب هو أسعار أعلى فقط. وهذا المعطى الاقتصادي يضاف إلى مؤشرات أخرى على استنزاف المشروع الأمريكي، في وقت تؤكد فيه طهران أن العدو بدأ يفاوض نفسه وأن الحديث عن التفاوض اليوم ليس سوى اعتراف بالهزيمة.
وفي هذا الإطار، جاءت التصريحات الإيرانية حاسمة في نفي أي مسار تفاوضي حقيقي مع واشنطن. فقد أكد عباس عراقجي أن صمود إيران قرابة شهر أمام من يدّعي امتلاك أقوى جيش في العالم أمر غير مسبوق، وأن الإيرانيين ينزلون كل ليلة إلى الشوارع دعماً لدولتهم. كما شدد على أن كل من يشارك في العدوان على إيران هدف مشروع، وأن ما يرسله الأعداء من رسائل عبر وسطاء لا يمكن تسميته تفاوضاً، بل إن حديثهم عن التفاوض الآن هو اعتراف صريح بالهزيمة. وأضاف أن إيران لا تعتزم التفاوض، وأن سياستها هي مواصلة المقاومة والدفاع عن البلاد، لا سيما في ظل استهداف 53 مستشفى ومواقع تاريخية داخل إيران. وذهب المسؤول السياسي–الأمني الإيراني الرفيع الذي نقلت عنه برس تي في إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن إيران هي من ستنهي الحرب في الوقت الذي تقرره هي، لا في الوقت الذي يحدده ترامب، وأن وقف إطلاق النار لن يتم إلا وفق شروط إيران التي تشمل وقف العدوان والاغتيالات، ودفع التعويضات، وضمان عدم تكرار الحرب، والاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز.
وفي ما يخص هرمز، واصلت طهران تثبيت المعادلة الجديدة التي فرضتها بحكم القوة والسيادة. فقد أكد مقر خاتم الأنبياء أن وضع المضيق لن يعود إلى ما كان عليه، وأن المرور فيه أصبح مشروطاً بإرادة إيران، مشدداً على أن الطريق مسدود أمام الأعداء وحلفائهم. كما كرر مسؤولون إيرانيون أن استقرار المنطقة وأسعار الطاقة لن يعودا كما كانا إلا حين تضمن القوات المسلحة الإيرانية أمن المنطقة وفق شروطها. ومع هذه المعادلة، باتت واشنطن وتل أبيب أمام واقع جديد: لا هي قادرتان على كسر إيران، ولا قادرتان على إعادة الملاحة والطاقة إلى سابق عهدها بالقوة أو بالتهديد.
وعلى المستوى الدولي، بدأت أصوات دولية تتحدث بوضوح عن حجم الكارثة التي صنعتها واشنطن وتل أبيب. فقد دعت وزارة الدفاع الصينية إلى وقف العمليات العسكرية وتهيئة الظروف لمحادثات “جادة وصادقة”، فيما حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من أن الدول تقترب من كارثة غير مسبوقة في الشرق الأوسط، وأن العودة إلى الحرب كأداة في العلاقات الدولية تنذر بمسار بالغ الخطورة لا يمكن التنبؤ به. كما نقلت تقارير غربية عن دراسة واشنطن لخيارات أكثر تهوراً، بينها الاستيلاء على جزيرة خارك، ما يعكس الارتباك الأمريكي ومحاولة البحث عن مخرج استعراضي من مأزق الحرب.
أما في العراق، فقد واصلت المقاومة الإسلامية توجيه الضربات للقواعد الأمريكية في الداخل والمنطقة، معلنة تنفيذ 23 عملية استخدمت فيها عشرات الطائرات المسيّرة خلال 24 ساعة، في تأكيد جديد على أن الوجود الأمريكي في غرب آسيا لم يعد هدفاً بعيداً أو محصناً، بل جبهة مفتوحة يومياً من العراق إلى الخليج. كما ظهرت مشاهد جديدة لإطلاق الطيران المسيّر باتجاه قواعد الاحتلال، في وقت تواصل فيه القوات الإيرانية استهداف تجمعات الجنود الأمريكيين وعملائهم في أربيل.
في المحصلة، يكشف اليوم السابع والعشرون أن الحرب تتجه أكثر فأكثر إلى استنزاف شامل للقدرة الأمريكية والصهيونية، ليس فقط في مستوى الخسائر العسكرية المباشرة، بل أيضاً في صورة القوة، ومرونة الانتشار، وأمن القواعد، والاقتصاد، والطاقة، والردع النفسي. وفي المقابل، تبدو إيران ومعها قوى المقاومة أكثر تماسكا واندفاعاً نحو ترسيخ قواعد اشتباك جديدة تجعل من كل يوم إضافي في هذه الحرب عبئاً أثقل على المعتدين. فالمشهد لم يعد مشهداً لضربات متبادلة، بل ميدان إعادة تشكيل إقليمي تُكتب فيه الوقائع بالنار، وتُفرض فيه الإرادات بالصواريخ والمسيّرات والكمائن والاشتباكات المباشرة.
