ليست الخيانة حدثًا طارئًا ولا موقفًا عابرًا تفرضه لحظة سياسية ضاغطة، بل هي مسارٌ متكامل يبدأ بتبرير الصمت وينتهي بتطبيع التفريط، ويتغذّى على فصل القيم عن المصالح والمبادئ عن الحسابات.
ومن هذا المنطلق، فإن مقولة: «من خان القدس بالأمس، سيخون أمّ القرى اليوم، ومن نصر القدس وغزة بالأمس، سينصر أمّ القرى ويحميها» لا تنتمي إلى الخطاب الانفعالي، بل تعبّر عن قراءة واقعية لتجربة الأمة في العقود الأخيرة، وتجسّد خلاصة مسارٍ طويل من التنازلات المتراكمة يقابله مسارٌ آخر من الثبات والاصطفاف مع الحق.
لقد شكّلت القدس عبر التاريخ بوصلة المواقف واختبار النوايا، ولم تكن مجرد مدينة محتلة، بل معيارًا أخلاقيًا كاشفًا لصدق الادعاءات السياسية، وميزانًا يفرز من يقف مع الحق ممن يقدّم السلامة أو المصلحة. وعندما بدأ التراجع عن القدس، لم يكن ذلك فجائيًا، بل سبقه تمهيدٌ ثقافي وإعلامي وسياسي أعاد تعريف الصراع وغيّر توصيف العدو وجرّم المقاومة وحوّل الاحتلال من اعتداءٍ سافر إلى ما سُمّي زورًا “خلافًا قابلًا للحل”.
إن أخطر ما في خيانة القدس لم يكن التنازل عنها فحسب، بل اعتياد الأمة على التنازل وقبولها بمنطق التجزئة، وكأن المقدسات يمكن التعامل معها بمرونة أو تصنيفها وفق سلّم أولويات متغيّر. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية، إذ إن من يعتاد التفريط بالثوابت يفقد القدرة على الدفاع عن أي ثابت لاحقًا، مهما بلغت قدسيته أو مكانته.
التجربة السياسية تؤكد أن الخيانة لا تتجزأ، وأن من يفرّط بحقٍّ مركزي اليوم سيفرّط بغيره غدًا متى ما تبدّلت المصالح أو تغيّرت موازين القوى. فالمسألة لا تتعلق بالقدس وحدها، بل بمنظومة فكرية كاملة أعادت تعريف السيادة وأفرغت مفاهيم الشرف السياسي من مضمونها واستبدلت الموقف بالمناورة والالتزام بالمساومة.
إن الحديث عن القبلة المسلمين مكة المكرمة لا يأتي من باب المقارنة الشكلية، بل من باب التحذير التاريخي. فحين تُدار السياسات بلا سقف أخلاقي، وحين تُختزل المقدسات في بعدها الرمزي فقط، تصبح حتى أعظم المدن وأقدسها عرضة للتوظيف السياسي، أو الصمت عن استهدافها المعنوي، أو تحويلها إلى ورقة ضغط في صراعات المصالح الإقليمية والدولية.
إن المسار الذي يبدأ بالصمت عن القدس، ويمرّ بتجريم كل من يدافع عنها ثم بتطبيع العلاقة مع من يحتلها، هو ذاته المسار الذي قد ينتهي يومًا بتفريغ أمّ القرى من دورها الجامع، وتحويلها من مركز وحدةٍ للأمة إلى عنوانٍ بلا مضمون سيادي حقيقي. فالقضية ليست في المكان بحد ذاته، بل في منطق التعامل معه وفي الموقف من قداسته ووظيفته الجامعة.
التاريخ القريب مليء بالشواهد التي تؤكد أن من خذل فلسطين خذل قضايا أخرى، ومن اصطف مع العدو هناك لن يتردد في الاصطفاف معه هنا إذا اقتضت المصلحة. ذلك لأن الخلل لا يكمن في القضية، بل في حامل الموقف، وفي العقل السياسي الذي يرى في المبادئ عبئًا، وفي الثوابت عائقًا أمام الاندماج في منظومة الهيمنة الدولية.
فإن من وقف مع القدس وغزة وناصر المظلومين ورفض الخضوع لمنطق الإملاءات، هو ذاته من لن يسمح بالعبث بالمقدسات الإسلامية، ولن يقبل بفرض الإرادة الأمريكية أو الإسرائيلية عليها. فالثبات موقفٌ متكامل، كما أن الخيانة مسارٌ متكامل.
إن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم ليس العدوان المباشر فقط، بل تسويق الخيانة على أنها “واقعية سياسية”، وتقديم التنازل بوصفه “حكمة”، وتحويل الصمت عن الظلم إلى “اتزان”. وبهذا تُصاب الذاكرة الجمعية بالخدر، وتفقد الشعوب حساسيتها تجاه الانكسارات المتتالية، حتى يصبح التفريط أمرًا عاديًا لا يثير الغضب ولا يستدعي المراجعة.
إن التحذير من خيانة القدس ليس استدعاءً للماضي، بل تنبيهٌ للمستقبل. فالمقدسات لا يحميها الخطاب، ولا تصونها البيانات، بل تحميها المواقف الصلبة والاصطفاف الواضح مع الحق، ورفض تحويل القضايا المصيرية إلى أوراق تفاوض.
إن الأمة التي تريد أن تحمي أمّ القرى، عليها أولًا أن تستعيد بوصلتها تجاه القدس، لا بوصفها قضية بعيدة، بل بوصفها الامتحان الأول لكل موقف والمرآة التي لا تكذب. فمن خان القدس بالأمس، لن يكون أمينًا على غيرها اليوم، ومن تهاون في أول السقوط، لا يملك حق الادعاء عند آخر الخطوط.
