“خاص”
في السماء تعمل أنظمة الدفاع، وفي الأرض تعمل الحقائق. تعد إسرائيل كل مرة بدرع لا يخترق، وبسماء لا تمر منها صواريخ، وبأنظمة قادرة على إسقاط كل ما يأتي من البعيد. لكن المشاهد تقول شيئاً آخر، فبين وعود الدفاع ووقوع الصواريخ تبقى السماء شاهداً صامتاً على معركة لا تجري فقط في الرادارات، بل في واقع الميدان أيضاً.
تطلق إيران المسيرات أولاً، كمن يقرع الباب طويلاً، ترهق الأعصاب وتستنزف الدفاعات، وتجبر الرادارات على الدوران في كل اتجاه. ثم بعد ذلك تأتي الصواريخ، ليس كخبر عابر في نشرة عاجلة، بل كحقيقة تلمع في السماء قبل أن تراها العيون على الأرض. وهنا تبدأ المفارقة التي لا تستطيع البيانات الرسمية إخفاءها، فالدروع التي قيل إنها لا تنكسر تبدو في لحظات الاختبار أقل صلابة مما روج له طويلاً، والسماء التي قيل إنها مغلقة بإحكام تتحول فجأة إلى ساحة مفتوحة لاختبار الإرادات.
المشهد في السماء يبدو كحوار صامت بين الصاروخ والرادار، بين السرعة والاعتراض، بين ما يقال في المؤتمرات وما يحدث في الواقع. ومع كل وميض يظهر في الأفق، يتكرر السؤال نفسه من جديد: هل كانت تلك السماء حقاً مغلقة كما قيل؟ فالحروب الحديثة لا تقاس بعدد البيانات ولا بقوة التصريحات، بل بلحظة الحقيقة عندما تشتعل السماء وتتكلم الوقائع. هناك فقط يسقط الضجيج الإعلامي، وتبقى الصورة وحدها تقول ما لا تريد الخطابات قوله.
وبين الاعتراض والسقوط، وبين الرادار والصاروخ، تبقى الحقيقة التي تراها الكاميرات في كل مقطع ينتشر في العالم: أن السماء التي قيل إنها مغلقة لم تكن مغلقة كما قيل. ثم تأتي اللحظة التي يتغير فيها كل شيء. فجأة يتحول الأفق الهادئ إلى شاشة مشتعلة بالضوء، نقاط صغيرة تظهر في السماء ثم تكبر بسرعة، كأن الليل نفسه بدأ يتشقق، والرادارات تدور، وصفارات الإنذار تقطع الصمت، والعيون كلها تتجه إلى الأعلى.
هناك، في تلك الثواني القصيرة، تختفي كل التحليلات الطويلة وكل الخطابات المليئة بالثقة. يبقى مشهد واحد فقط: السماء تمتلئ بخطوط من الضوء، واعتراضات تلمع، وصواريخ تشق طريقها عبر الأفق. يبدو المشهد وكأنه سباق صامت بين السرعة والاعتراض، صاروخ يصعد ليمنع، وصاروخ آخر يندفع ليصل، ومع كل وميض في السماء يتردد السؤال نفسه في ذهن كل من يشاهد: من سيسبق الآخر؟
لكن الحقيقة أن السماء في تلك اللحظة لا تشبه ما يقال عنها في نشرات الأخبار. إنها ساحة اختبار مفتوحة، حيث تتكلم التكنولوجيا بلغة النار والضوء، وحيث تختفي الشعارات ويظهر الواقع كما هو. ثوانٍ قليلة فقط، لكنها كافية لتكشف أن الحروب الحديثة لا تروى بالكلمات، بل بالمشاهد التي تكتب قصتها فوق الأفق، حيث يرى العالم السماء كما هي، لا كما قيل إنها ستكون.
وهكذا تنتهي الحكاية كل مرة بالمشهد نفسه: تصريحات مرتفعة السقف، ووعود بدرع لا ينكسر، وخطابات طويلة عن سماء مغلقة لا تمر منها الصواريخ. لكن عندما يهدأ الضجيج، وتبقى الكاميرات وحدها شاهدة، تظهر الحقيقة ببساطة شديدة. ليست في المؤتمرات الصحفية، ولا في العناوين العريضة، بل في تلك اللحظة القصيرة عندما يلمع الضوء في السماء ثم يسمع الصوت على الأرض.
عندها فقط يسقط الفرق بين ما يقال وما يحدث. فالسماء لا تقرأ البيانات، والرادارات لا تصدق الخطابات، والوقائع لا تهتم كثيراً بما يقال أمام الميكروفونات. والحقيقة في الحروب لا تعلن في البيانات، بل تكتب أحياناً بخط واضح فوق الأفق، حيث تتكلم السماء بصوت أعلى من أي خطاب.
