في تطور ميداني بالغ الدلالة، أقرّ جيش العدو الإسرائيلي بمقتل 4 جنود بينهم ضابط وإصابة 2 آخرين في معارك جنوب لبنان، بعدما كانت التقارير الإسرائيلية تتحدث تباعاً عن إخلاء جرحى، وسقوط قتلى، وإصابات خطرة، وتدمير آليات وناقلات جند تحت ضربات حزب الله، في مشهد يؤكد أن الجبهة الشمالية تحولت إلى ساحة استنزاف دامية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وأن المقاومة لم تعد تكتفي بصدّ التقدم، بل باتت تكسر القوة المهاجمة بالنار المباشرة والكمائن والضربات الدقيقة.
ومنذ الساعات الماضية، وسّع حزب الله بنك أهدافه على نحو لافت، فانتقل من ضرب تجمعات الجنود والدبابات في بيت ليف والطيبة وعيناتا والقنطرة إلى استهداف منظومة الدفاعات الجوية في معالوت ترشيحا، ثم نقل الضغط إلى العمق باستهداف قاعدة غليلوت البعيدة عن الحدود اللبنانية الفلسطينية بنحو 110 كيلومترات في ضواحي تل أبيب، في رسالة عسكرية واضحة مفادها أن النار لم تعد محصورة في خط التماس، بل باتت تطال العقد الدفاعية والعسكرية الحساسة للعدو. وإلى جانب ذلك، طالت الصليات الصاروخية والمسيّرات يرؤون، حدب يارون، دوفيف، الغجر، شوميرا، مشمار الكرمل، كريات شمونة، مسكاف عام وسواها من المواقع والمستوطنات، بينما أعلن الحزب تنفيذ 41 عملية عسكرية ضد مواقع وجنود الاحتلال شمال فلسطين المحتلة في يوم واحد.
وعلى الأرض، تكشف طبيعة العمليات أن المقاومة تدير المعركة وفق تكتيك مركّب يجمع بين الصواريخ الموجّهة، والمسيّرات الانقضاضية، والعبوات الناسفة، وقذائف التاندوم، والقصف المدفعي والصاروخي المركز. ففي بيت ليف استُهدفت قوة إسرائيلية داخل منزل بصاروخ موجّه فسقط أفرادها بين قتيل وجريح، ثم جرى استهداف دبابة ميركافا بقذائف التاندوم. وفي الطيبة ضُربت ميركافا أخرى في بيدر الفقعاني بصاروخ موجّه، بينما شهدت عيناتا اشتباكات عنيفة مع قوة إسرائيلية تخللها تدمير دبابة ميركافا في منطقة السدر وتفجير عبوات ناسفة في آليات متقدمة. كما استُهدفت جرافة D9 بمسيّرة انقضاضية في القنطرة، إلى جانب تفجير عبوة مضادة للأفراد في قوة إسرائيلية على طريق عيترون – عيناتا، ما أوقع عناصرها بين قتيل وجريح. بهذا المعنى، لم يعد العدو يواجه مجرد قصف متقطع، بل شبكة نيران متكاملة تضربه أثناء التقدم، وأثناء التموضع، وحتى أثناء الإخلاء.
وتظهر اعترافات الاحتلال الإسرائيلي نفسها حجم الأزمة. فقبل الإقرار الأخير بمقتل 4 جنود بينهم ضابط، كان جيش العدو قد أقرّ بمقتل جندي وإصابة ضابط بجروح خطيرة من اللواء 401 مدرعات في جنوب لبنان، كما تحدث إعلامه عن سقوط 4 قتلى في كمين لحزب الله، وعن وقوع عدد من الجنود بين قتيل وجريح خلال معارك الساعات الماضية، إضافة إلى إصابة جنديين بجروح خطرة نتيجة صاروخ مضاد للدبابات، وإصابة 3 جنود إثر سقوط مسيّرة في الجنوب. كما أقرّت وسائل إعلامه بإخلاء جرحى من الميدان وبخسائر جديدة في ناقلات الجند والآليات المدرعة، ما يعكس أن القوة البرية الإسرائيلية تتحرك داخل بيئة قتالية معادية بالكامل فقدت فيها التفوق والحماية.
والأخطر بالنسبة للعدو أن حزب الله لم يحصر نيرانه في المواقع الأمامية، بل وجّه ضربات إلى العمق العملياتي والعصب الدفاعي، سواء عبر استهداف القاعدة الأساسية للدفاع الجوي والصاروخي التابعة لقيادة المنطقة الشمالية شمال صفد، أو عبر ضرب مشمار الكرمل للدفاع الصاروخي جنوب حيفا، أو عبر استهداف غليلوت قرب تل أبيب. هذه الضربات تعني أن المقاومة لا تعمل فقط على قتل الجنود وتدمير الدبابات، بل على إرباك البنية الدفاعية والقيادية التي يستند إليها جيش الاحتلال الإسرائيلي في إدارة الحرب، وهو ما يفسر حالة القلق المتصاعدة في الشمال المحتل، وتزايد القناعة داخل إعلام العدو بأن قدرات حزب الله ما تزال قائمة وفعالة وأن أي وقف نار قريب لن يعني إنهاء هذه القوة أو كسرها.
وفي مقابل هذا الأداء الميداني، واصل العدو الإسرائيلي عدوانه الواسع على البلدات الجنوبية، فشنّ غارات على برعشيت وكفرا وشقرا وغيرها، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى بينهم مسعفون، في استمرار لنهجه القائم على إرهاب المدنيين والقطاع الصحي والإعلامي كلما فشل في حسم المواجهة مع المقاتلين على الجبهة. لكن هذا التصعيد لم ينجح في وقف نيران المقاومة، بل ترافق مع توسع عملياتها، بما يؤكد أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لا يملك حتى الآن قدرة على فرض إيقاعه أو تأمين قواته أو حماية مستوطناته من الرمايات المتكررة والمتنوعة.
الخلاصة العسكرية أن ما يجري في جنوب لبنان لم يعد مجرد تبادل نيران على الحدود، بل معركة استنزاف مفتوحة نجح فيها حزب الله في تحويل الأرض إلى فخ دائم للعدو. فمن مقتل 4 جنود بينهم ضابط، إلى إصابة العشرات، إلى تدمير الدبابات والآليات، إلى ضرب القواعد والمنظومات الدفاعية، تتشكل صورة ميدانية واحدة: جيش الاحتلال الإسرائيلي ينزف في الشمال، والمقاومة تفرض عليه كلفة متصاعدة بالنار والكمائن والضربات المركزة، وتكتب فصلاً جديداً من الردع بقوة الميدان لا بضجيج البيانات.
