ذات صلة

الأكثر مشاهدة

الرئيس المشاط يبارك اتفاق عمّان للأسرى: صنعاء ماضية حتى تحرير الجميع

بارك فخامة المشير الركن مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي...

معملاً لتزوير المنظفات.. وزارة الاقتصاد تضبط منتجات مغشوشة بعلامات عالمية

ضبطت الفرق الرقابية التابعة لوزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار في...

سيناريو التصعيد بعد المهلة.. ترامب يهدد بمحو “حضارة إيران” الليلة والأخيرة ترد بتدمير “طاقة المنطقة” وتلوّح بتفعيل حلفائها لإغلاق “باب المندب”

في لحظة تكشف حجم الارتباك الأمريكي وتعاظم المأزق العسكري والسياسي الذي وصلت إليه واشنطن وتل أبيب، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابه إلى مستوى غير مسبوق، مهدداً بأن “حضارة كاملة ستموت الليلة ولن تعود أبداً” إذا لم تستجب إيران للشروط الأمريكية قبل انتهاء المهلة المحددة. هذا التهديد، الذي اقترن مجدداً بالوعيد بقصف الجسور ومحطات الكهرباء والبنى التحتية المدنية وإعادة إيران إلى “العصر الحجري”، لم يُقرأ في طهران بوصفه موقفاً تفاوضياً، بل باعتباره إعلاناً مكشوفاً عن نية عدوانية شاملة تستهدف كيان الدولة الإيرانية وحضارتها وشعبها، لا مجرد برنامج نووي أو ملفاً أمنياً محدوداً.

لكن ما يقابل هذا التصعيد الأمريكي ليس تراجعاً إيرانياً ولا انكساراً سياسياً، بل تهديداً مضاداً أشد وضوحاً وأخطر أثراً. فالموقف الإيراني، كما تعكسه التصريحات الواردة، حسم أولوياته: لا هدنة مؤقتة، لا خضوع للمهل النهائية، ولا تفاوض تحت النار. وقد أكدت طهران أنها ترفض أي وقف مؤقت لإطلاق النار مع الولايات المتحدة، وأن أي حديث عن سلام دائم لا يمكن أن يبدأ إلا بعد وقف فوري للضربات، وضمانات بعدم تكرارها، وتعويضات عن الأضرار. بهذا المعنى، لم تعد إيران تتعامل مع الضغوط الأمريكية باعتبارها باباً لتسوية، بل كـ محاولة إنقاذ متأخرة لترامب بعد فشل العدوان في فرض شروطه بالقوة.

والأخطر في الرد الإيراني أنه لم يقتصر على المستوى السياسي، بل انتقل إلى رسم معادلة ردع إقليمية مباشرة. فقد أعلن إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بمجلس الشورى، أن إيران لن تسمح لأي سفينة معادية بعبور مضيق هرمز، وأن لجنة الأمن القومي تناقش حالياً مشروع قانون استراتيجي للحفاظ على أمن هرمز والخليج، مضيفاً أن تاريخ المضيق سينقسم إلى ما قبل العدوان على إيران وما بعده. هذه اللغة لا تعني فقط تشديد القيود على الممر البحري الأهم في العالم، بل تعني أن طهران تمضي نحو إعادة تعريف قواعد الملاحة والسيادة في الخليج وفق شروطها هي، لا وفق الإملاءات الأمريكية.

وفي مستوى أكثر حدة، حملت الرسائل الإيرانية تهديداً مباشراً بتوسيع الرد إلى ما وراء حدود الاشتباك الحالية. فقد شددت التصريحات المنقولة على أن القادة الأمريكيين لا يمتلكون القدرة على حساب الأصول المهمة التي ستكون بمرمى المقاتلين الإيرانيين إذا هوجمت البنية التحتية الإيرانية، وأنه إذا تجاوز الجيش الأمريكي الخطوط الحمراء فإن الرد الإيراني سيتجاوز حدود المنطقة. كما أوضحت طهران أنها لم تكن البادئة في استهداف الأهداف المدنية، لكنها لن تتردد في الرد بالمثل إذا استمرت الاعتداءات على المنشآت المدنية، متوعدة بأنها ستفعل بالبنية التحتية لأمريكا وشركائها ما يحرمهم من نفط وغاز المنطقة لسنوات عديدة. وهنا ينتقل الخطاب الإيراني من التهديد الدفاعي إلى معادلة شلل استراتيجي تستهدف الطاقة والاقتصاد والإمداد، لا الجبهات العسكرية فقط.

وتكتسب هذه المعادلة خطورتها القصوى مع ما ورد من تهديدات مرتبطة بملف الكهرباء والطاقة والممرات البحرية. فبحسب المصدر الأمني الرفيع الذي نقلت عنه برس تي في، فإن أي هجوم أمريكي على محطات الكهرباء الإيرانية سيُغرق المنطقة بأكملها، والسعودية معها، في ظلام دامس، وأن قطر نقلت إلى واشنطن رسالة طهران بهذا المضمون. وهذه ليست مجرد عبارة دعائية، بل رسالة عسكرية سياسية تقول بوضوح إن استهداف البنية المدنية الإيرانية سيقابله ضرب مماثل يطال البنية الطاقية والإمدادية في الإقليم، بما يحول الحرب من مواجهة مع إيران إلى زلزال إقليمي شامل يضرب كل من فتح أرضه أو أجواءه أو موانئه لخدمة العدوان.

وفي السياق نفسه، يبرز التلويح الإيراني بـ تفعيل حلفائها لاغلاق باب المندب بوصفه الامتداد الطبيعي لمعركة هرمز. فحين تتحدث طهران عن حرمان أمريكا وشركائها من نفط وغاز المنطقة، وعن انتهاء الاعتبارات السابقة المرتبطة بـ ضبط النفس وحسن الجوار، فإنها ترسم عملياً نطاقاً أوسع للرد يشمل شرايين الطاقة والملاحة من الخليج إلى البحر الأحمر. ومع وجود محور مقاومة متماسك يمتد من إيران إلى اليمن ولبنان والعراق، يصبح أي تصعيد على هرمز قابلاً للتمدد نحو باب المندب، بما يعني ضرب المعابر البحرية الكبرى التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، وإفهام واشنطن أن حربها لن تبقى محصورة في ساحة واحدة أو عند حدود إيران فقط.

وفي مقابل هذا التصعيد الأمريكي المتفلت، تتكاثر حتى داخل الولايات المتحدة نفسها علامات الانقسام والذعر من سلوك ترامب. فقد هاجمه أعضاء في الكونغرس الأمريكي بوصفه فاقداً للبوصلة وغير مؤهل للقيادة، وقالوا إنه لا يعرف كيف ينهي حربه الكارثية فلجأ إلى تهديدات متزايدة الجنون، فيما اتهمه الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون بإهانة الإسلام والمسيحية، واعتبر أن لا أحد يمكنه تأييد شروره وجرائمه الحربية. كما طرحت واشنطن بوست سؤالاً معبّراً: هل يستطيع ترامب إنهاء الحرب مع إيران وإنقاذ ماء وجهه؟، بينما رأت بلومبرغ أن إسقاط طائرة مقاتلة أمريكية قوّض مزاعم ترامب بالنصر، واعتبرت أتلانتيك أن حربه مع إيران كشفت نقاط الضعف الاستراتيجية والعسكرية لأمريكا أمام خصومها الدوليين. كل ذلك يعني أن تهديدات ترامب، بدلاً من أن تعكس ثقة المنتصر، باتت تبدو كخطاب رجل يخوض حرباً تتسع عليه سياسياً وعسكرياً وأخلاقياً.

وفي الداخل الإيراني، تبدو الصورة معاكسة تماماً لما أراده العدوان. فقد أعلن المجتمع اليهودي الإيراني في بيان واضح إدانته للهجمات الأمريكية الإسرائيلية على وطنه، مؤكداً أنه سيبقى إلى جانب الشعب والنظام حتى آخر نفس دفاعاً عن البلاد. كما كشفت التقارير عن أن ما جرى في عملية أصفهان لم يكن مجرد مهمة إنقاذ، بل يرتبط، وفق الأدلة التي تحدثت عنها برس تي في، بخطة للتسلل إلى إحدى المنشآت النووية في أصفهان والاعتداء عليها، في ظل حسابات أمريكية خاطئة افترضت أن الدفاع الجوي الإيراني لن يتمكن من التصدي للطائرات المشاركة. وإذا صحّ ذلك، فإن العدوان لم يكن فقط حرب قصف وتدمير، بل محاولة اعتداء خاص على العمق النووي الإيراني، وهو ما يفسر تصاعد الخطاب الإيراني من الدفاع إلى الردع الشامل.

الخلاصة أن المشهد لم يعد يُختصر بتهديد أمريكي ورد إيراني، بل بمعادلة أشمل: ترامب يهدد بمحو حضارة إيران، وطهران ترد بقدرتها على خنق طاقة المنطقة، وإغلاق شرايين الملاحة، وتوسيع دائرة النار من هرمز إلى باب المندب. في المقابل، لا تبدو إيران في موقع من يبحث عن مخرج مذل، بل في موقع من يقول إن الحرب إن فُرضت على الحضارة الإيرانية فلن تبقى حرباً على إيران وحدها، بل ستتحول إلى حرب على استقرار الإقليم كله ومصالح أمريكا وشركائها فيه. وهكذا، فإن عنوان المرحلة بات واضحاً: واشنطن ترفع سقف التهديد لأنها عجزت عن فرض الاستسلام، وإيران ترفع سقف الرد لأنها قررت أن كلفة العدوان يجب أن تعود على المعتدين أضعافاً مضاعفة.

spot_imgspot_img