ذات صلة

الأكثر مشاهدة

السعودية تصعّد عدوانها بـ58 غارة خلال 24 ساعة على ست محافظات يمنية

أعلن متحدث القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، الأحد،...

قلق إسرائيلي متصاعد من إحكام صنعاء قبضتها على باب المندب

كشفت التغطيات العبرية عن تصاعد القلق داخل كيان الاحتلال...

الحديدة تستقبل 322 من المشمولين بالعفو العام.. صنعاء تفتح طريق العودة للمغرر بهم

استقبلت السلطة المحلية في محافظة الحديدة 322 شخصًا من...

السيد الحوثي في ذكرى الصرخة: لا حياد في معركة الأمة.. ووحدة الساحات هي الرد العملي على المخطط الصهيوني

في كلمة شاملة ألقاها بمناسبة الذكرى السنوية للصرخة في وجه المستكبرين، قدّم السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي قراءة فكرية وسياسية واستراتيجية لطبيعة المرحلة التي تمر بها الأمة، رابطًا بين منطلقات المشروع القرآني وبين الواقع الميداني الراهن في فلسطين ولبنان واليمن وإيران والمنطقة عمومًا، ومؤكدًا أن الصرخة لم تكن مجرد شعار لحظة، بل عنوانًا لموقف قرآني متكامل، ومسارًا عمليًا لكسر الصمت، وفضح الأعداء، وتصحيح بوصلة الولاء والعداء، وبناء وعي الأمة في مواجهة الهجمة الأمريكية الإسرائيلية الصهيونية.

استهل السيد القائد حديثه بالعودة إلى الجذور التأسيسية للصرخة، موضحًا أن هذه الذكرى ارتبطت بإعلانها الأول على لسان شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي في محاضرته بمدرسة الإمام الهادي في مران عام 2002، مؤكدًا أن إحياء هذه المناسبة ليس مجرد استذكار تاريخي، بل محطة للتوعية والتعبئة والتذكير بموقف الحق في وجه الطاغوت والاستكبار. وبيّن أن الصرخة جاءت في واحدة من أخطر مراحل التاريخ الحديث، مع انتقال الهجمة الأمريكية الإسرائيلية على الأمة إلى مرحلة متقدمة في غاية الخطورة، تحت عناوين خادعة مثل “تغيير الشرق الأوسط” و“مكافحة الإرهاب”، وهي ـ بحسب توصيفه ـ عناوين زائفة استخدمت لتبرير العدوان، وتطويع الأمة، وفتح المجال أمام الأعداء للهيمنة عليها.

وأكد أن المأساة الكبرى لم تكن فقط في حجم الهجمة المعادية، بل في استجابة معظم الأنظمة والحكومات والزعماء لها بالولاء والخضوع والطاعة، معتبرًا أن هذا السلوك يمثل أحد أسوأ مظاهر الارتداد والتراجع عن مبادئ الإسلام، ويخدم مباشرة المشروع الأمريكي الإسرائيلي الذي يستهدف الأمة في دينها ومقدساتها وأوطانها. وفي مقابل هذا التخاذل الواسع، شدد على أن الجهاد في سبيل الله، والتحرك المسؤول في كل المجالات، ورفض الخنوع والاستعباد، كان ولا يزال الموقف الصحيح، حتى لو بقي محدودًا في نطاق أحرار الأمة الثابتين. ورأى أن قيمة الصرخة تتضاعف في زمن التخاذل لأنها تعبّر عن الثقة بالله، والمصداقية الإيمانية، والقدرة على الانتقال من الجمود إلى الموقف الحق.

وفي تفصيله لطبيعة الصرخة، أوضح السيد القائد أنها ليست مجرد كلمات تُردد، بل ثقافة ورؤية ومفاهيم ومشروع قرآني متكامل، هدفه الأول إسقاط عناوين التضليل التي يتحرك الأعداء من خلالها. فالصرخة ـ كما قال ـ ترسخ التكبير والتعظيم لله وتسقط كل حالات الانكسار أمام قوى الطاغوت، كما أن مضمون “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل” ليس شعارًا عاطفيًا، بل موقف بالمستوى المطلوب تجاه عدو يسعى لإماتة الأمة، وإذلالها، واحتلال أوطانها، واستعبادها، وطمس دينها. وأكد أن من أعظم ثمار الصرخة أنها كسرت حالة الصمت، وأفشلت مسار تكميم الأفواه، ومنعت تفريغ الساحة للأعداء كي يطوعوا الأمة بلا مقاومة. ولهذا فإن الصرخة، وفق خطابه، ليست رد فعل صوتيًّا، بل أداة استنهاض، وتعبئة عدائية ضد العدو، ومصدر وعي ويقظة وانتباه.

وركّز السيد القائد على أن من أهم وظائف الصرخة ضبط بوصلة الولاء والعداء، معتبرًا أن من أخطر ما أصاب الأمة هو نجاح اليهود الصهاينة وأعوانهم في اختراقها والتلاعب باتجاهات عداوتها، حتى باتت أنظمة وزعامات واتجاهات سياسية ومذهبية تعادي من يعادي اليهود، بدل أن تعادي العدو نفسه. وقال بوضوح إن اليهود هم من يوجّهون بعض الأنظمة لمعاداة من يقف ضد المخطط الصهيوني، وإن بعض الأنظمة والقوى التكفيرية قدّمت نموذجًا عمليًا على هذا الانحراف حين وجهت سلاحها وخطابها ضد كل من يمثل عائقًا أمام المشروع الأمريكي الإسرائيلي. وفي المقابل، رأى أن الصرخة تضبط هذه المسألة في الاتجاه القرآني الصحيح، لأن القرآن يوجه الأمة إلى معاداة أعدائها الحقيقيين: أعداء الله، وأعداء الحق، والعدل، والخير، الذين يستهدفونها بكل أشكال الشر والظلم والطغيان.

وفي سياق نقده للواقع العربي والإسلامي، قدّم السيد القائد صورة شديدة القسوة عن التدجين السياسي والإعلامي الذي تتعرض له الأمة. وقال إن الأعداء يعملون منذ البداية على تكميم الأفواه، وتجريم أي انتقاد للجرائم الإسرائيلية، وفرض حالة صمت واستسلام، حتى وصل الحال في بعض البلدان الخليجية إلى معاقبة من يتعاطف مع فلسطين أو يدعو على العدو أو يكتب تغريدة ضد جرائمه، بينما يُسمح في المقابل بالتعبير عن الولاء للعدو وتبرير جرائمه والإساءة للمجاهدين والشعب الفلسطيني. وأكد أن هذه الحالة بلغت في بعض البلدان العربية مستوى أسوأ مما هو موجود في أمريكا وأوروبا نفسها، وأن الصرخة جاءت لتكسر حالة المنع، وتمنح الجماهير وسيلة تعبير جماعية تفرض حضورها، وتحول دون مصادرة الصوت الحر.

وفي خط موازٍ، شن السيد القائد هجومًا واسعًا على الإعلام الموالي لأمريكا وإسرائيل، معتبرًا أنه يقوم بدور مدروس في زرع اليأس، وتبخيس أي إنجاز أو انتصار، وتعظيم أي عمل عدواني للعدو، وكأن مصير الأمة قد حُسم نهائيًا لصالح الصهاينة. وضرب أمثلة على ذلك بالطريقة التي جرى بها تشويه انتصار حزب الله عام 2000 ثم عام 2006، وكذلك التشويه المستمر لصمود غزة، وعمليات الإسناد اليمنية، والمواقف الإيرانية واللبنانية والعراقية، مؤكدًا أن بعض الأبواق العربية باتت تعمل كأبواق صهيونية، مهمتها تقديم صورة مزيفة عن الأحداث، بحيث يظهر المحور في حالة ضعف وعجز، بينما يجري التهويل والإرجاف لصالح العدوان الأمريكي الإسرائيلي. وفي هذا الإطار، اعتبر أن تقديم الاستسلام على أنه الخيار الوحيد هو أخطر ما يفعله هذا الإعلام، لأنه يسعى إلى جعل معادلة الاستباحة الأمريكية الإسرائيلية للأمة أمرًا مقبولًا ومفروضًا.

كما خصص السيد القائد جزءًا مهمًا من خطابه للرد على الدعاية التي تصف كل موقف مناهض للعدو بأنه “بالوكالة عن إيران”. وقال إن هذا المصطلح أطلقه اليهود الصهاينة أولًا وجرى تعميمه بشكل مكثف لخداع العرب والمسلمين، وتقديمهم وكأنهم غير معنيين باحتلال فلسطين، واستباحة المسجد الأقصى، وقتل العرب في فلسطين ولبنان وسوريا وغيرها، وكأن ما يجري مجرد مشكلة بين إيران وإسرائيل. ورأى أن تبني بعض العرب لهذا المنطق يُعد واحدًا من أكثر أشكال التضليل غرابة، لأن العدو الإسرائيلي هو عدو للعرب قبل أن يكون عدواً لإيران، وهو من يمارس الاحتلال والقتل والتهجير والتدمير والاعتداء على المقدسات في بلاد العرب. ولهذا شدد على أن الموقف من إسرائيل وأمريكا والمخطط الصهيوني هو موقف إسلامي أصيل، لا موقف تابع لأحد، وأن الميزة الكبرى للموقف الإيراني أنه موقف انطلق بصدق من منطلق إسلامي ضد الطغيان الأمريكي والعدوان الإسرائيلي، وهو لذلك يستحق التقدير والاحترام والإشادة.

وفي سياق دفاعه عن وحدة الساحات، قدّم السيد القائد هذه المعادلة باعتبارها إحدى أهم الإيجابيات الاستراتيجية في المرحلة الراهنة، مؤكدًا أن تعاون محور الجهاد والمقاومة يمثل نموذجًا للأمة كلها لتفهم أهمية التعاون والتحرك المشترك في مواجهة الخطر الذي يستهدف الجميع. وقال إن العدو الإسرائيلي والأمريكي يسعيان دائمًا إلى تجزئة المعركة وفصل الساحات والانفراد بكل جبهة على حدة، ولذلك فإن حنق الموالين لليهود من وحدة الساحات ليس إلا امتدادًا لحنق اليهود أنفسهم من أي شكل من أشكال التعاون بين قوى الأمة. وأوضح أن الجبهات التي تقف اليوم في اليمن ولبنان وفلسطين وإيران والعراق ليست هي المشكلة، بل العدو نفسه هو المشكلة، وأن ليس سلاح حزب الله هو المشكلة، ولا جبهة اليمن، ولا إيران، بل المشكلة الحقيقية هي المشروع الصهيوني الأمريكي. واعتبر أن البديل عن المواجهة هو الاستسلام، وأن كلفة الاستسلام تعني خسارة كل شيء: الدين، والدنيا، والحرية، والكرامة، والأوطان، والأعراض، والأمن والاستقرار.

وعلى المستوى السياسي الراهن، أطلق السيد القائد موقفًا بالغ الوضوح تجاه التطورات الإقليمية الحالية، إذ قال إن “الهدنة القائمة حاليا توشك على النهاية، وهي هدنة هشة واحتمال التصعيد قائم وكبير”، مؤكدًا أن “موقفنا واضح ومعلن وليس على الحياد ضد العدوان الأمريكي الإسرائيلي الذي يستهدف الأمة والجمهورية الإسلامية في إيران”، وأن الاتجاه اليمني هو “للتصعيد إذا قام العدو بالتصعيد وعاد إلى التصعيد من جديد”. وأضاف أنه حتى إذا استقرت الهدنة مؤقتًا، فإن جولات أخرى قادمة لا محالة، لأن ما يجري ليس سلامًا دائمًا، بل هدنة في جولة من صراع مستمر مع العدو. وهذه العبارات جاءت لتربط بين الذكرى الفكرية للصرخة وبين التموضع العملي لليمن ومحور المقاومة في المرحلة المقبلة، بما يعكس أن المشروع القرآني، من وجهة نظره، لا ينفصل عن الاستعداد الميداني لمواصلة المواجهة.

وفي جانب مهم من كلمته، عاد السيد القائد إلى تاريخ المشروع القرآني ومسيرة الصرخة منذ انطلاقتها، مؤكدًا أن الحقيقة الأساسية فيه كانت “المصداقية في الموقف والثبات عليه في كل المراحل دون تراجع”. وذكّر بأن المشروع واجه منذ بدايته تحريضًا أمريكيًا وإسرائيليًا وبريطانيًا، واعتقالات، وفصلًا من الوظائف، وحملات تشويه، ثم حروبًا شاملة في ست جولات، ومع ذلك لم يتراجع، ولم يساوم، ولم يقبل الإغراءات. وكشف أن عروضًا أوروبية قُدمت لهم عام 2007 لترك الشعار مقابل التمكين في الدولة ومؤسساتها، لكنهم رفضوا أي مساومة على الموقف، مؤكدًا أن هذا الثبات هو ما منح المشروع قوته وفاعليته، وأن شدة العداء الأمريكي والإسرائيلي له منذ البداية كانت بحد ذاتها دليلًا على خطورته على مخططاتهم وفاعليته في إفشالها.

كما شدد على أهمية المقاطعة الاقتصادية للبضائع الأمريكية والإسرائيلية، واعتبرها جزءًا مهمًا من الحرب الاقتصادية في مواجهة الأعداء، وعاملًا مساعدًا في تحقيق الاكتفاء الذاتي والتحول إلى أمة منتجة. وربط ذلك بالتثقيف القرآني والربط العملي بالقرآن، باعتبار أن الأمة تعاني من الضياع وهي بحاجة إلى الرشد والحكمة، وأن ربطها بالقرآن هو المدخل الأساسي لتصحيح مسارها واستعادة رشدها. ودعا في الوقت نفسه الباحثين والأكاديميين والإعلاميين إلى تكثيف الجهد في كشف حقيقة المخطط الصهيوني والغربي، محذرًا من أن التدجين والاختراق لا يقتصران على السياسة، بل يمتدان إلى التعليم، والإعلام، والاقتصاد، والتقنية، والاتصالات، والثقافة، وأن بوابة هذا الاختراق الناعم هي التطبيع الذي لا يمثل خروجًا من المخطط الصهيوني، بل أحد أدواته الأساسية للتغلغل والسيطرة.

وفي ختام كلمته، كرر السيد القائد الثقة الكاملة بوعد الله وبنجاح المشروع القرآني، مؤكدًا أن هذا المشروع أثبت فاعليته ونجاحه في كل المراحل منذ بدايته وإلى اليوم، وأن الأمة إذا استجابت لله وتحركت وفق تعاليمه فإن الله وعدها بالنصر. كما شدد على أن الواجب في هذه المرحلة هو التموضع للمواجهة في كل الميادين: الإعلامي، والاقتصادي، والثقافي، والتعليمي، والسياسي، والعسكري، لأن الصراع ليس فقط معركة سلاح، بل معركة وعي، وهوية، وموقف، وكرامة، وسيادة، ومصير. وبذلك بدت الكلمة كلها بمثابة إعادة تأسيس فكرية وسياسية للمرحلة المقبلة، عنوانها أن الصرخة ليست ذكرى شعارية، بل مشروع مواجهة شامل، ووحدة الساحات ليست ظرفًا مؤقتًا، بل معادلة استراتيجية، والحياد في معركة الأمة لم يعد مطروحًا أصلًا.

spot_imgspot_img