قالت صحيفة “الغارديان” البريطانية إن الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران قد تقود إلى نتيجة معاكسة تماماً لما تزعم واشنطن وتل أبيب أنهما تسعيان لمنعه، إذ قد تدفع طهران إلى الاقتناع بأن امتلاك السلاح النووي بات الضمانة الوحيدة لحماية سيادتها وردع أي عدوان مستقبلي.
وفي مقال للصحفي المختص بالشؤون الخارجية سايمون تيسدال، أوضحت الصحيفة أن الحرب لا تقضي على ما تسميه واشنطن “التهديد النووي الإيراني”، بل تعزز داخل إيران قناعة متصاعدة بأن الردع النووي هو الطريق الوحيد لمنع تكرار الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية.
واعتبر المقال أن الذرائع التي قدمتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتبرير الحرب على إيران، بذريعة وجود تهديد نووي وشيك، هي ذرائع معيبة ومتناقضة، خصوصاً أن إيران لا تمتلك أسلحة نووية، في حين أن الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي يمتلكان ترسانات نووية فعلية.
وأكدت الصحيفة أن كل قنبلة تُلقى، وكل سفينة تُحتجز، وكل تهديد بالإبادة، يدفع إيران أكثر إلى فقدان الثقة بالدبلوماسية، ويعزز داخل مؤسساتها العسكرية والسياسية خيار البحث عن ردع أقوى يحمي الدولة والسيادة.
أزمة ثقة عميقة مع واشنطن
وأشار المقال إلى أن أزمة الثقة بين إيران والولايات المتحدة بلغت مستوى غير مسبوق، خصوصاً بعد أن أقدم ترامب ونتنياهو على مهاجمة إيران مرتين خلال مسار المفاوضات، الأمر الذي جعل أي حديث أمريكي عن صفقة أو تسوية يبدو فاقداً للمصداقية.
ولفتت الصحيفة إلى أن قادة الحرس الثوري الإيراني باتوا ينظرون إلى السلاح النووي باعتباره “الطريقة الوحيدة المؤكدة لردع الهجمات المستقبلية”، في ظل استمرار التهديدات والاعتداءات ومحاولات فرض الشروط بالقوة.
كما شددت على أن المعرفة العلمية الإيرانية لا يمكن تدميرها بالقصف، وأن العدوان قد يعطل بعض المنشآت أو يسبب خسائر مؤقتة، لكنه لا يستطيع إلغاء الخبرة المتراكمة أو القدرات التقنية التي بنتها إيران خلال عقود.
النووي كحماية للسيادة
واستعرض المقال تجربتي أوكرانيا والعراق، بوصفهما نموذجين لدولتين تخلتا أو حُرمتا من برامج ردع استراتيجية، ثم تعرضتا لاحقاً للغزو والتدمير والاحتلال، ما يعزز قناعة كثير من الدول بأن السلاح النووي، أو امتلاك قوة ردع مكافئة، هو ما يمنع المعتدين من التفكير بالحرب.
وحذرت الصحيفة من أن استمرار الحرب على إيران لن يقتصر أثره على طهران وحدها، بل قد يفتح سباقاً نووياً إقليمياً ودولياً، ويدفع دولاً مثل السعودية وتركيا ومصر وتايوان واليابان وكوريا الجنوبية إلى التفكير بالمسار ذاته، خشية أن تصبح بلا حماية أمام تحولات القوة العالمية.
نفاق القوى النووية
وانتقد المقال ما وصفه بحالة النفاق داخل النظام الدولي، حيث تُطالب القوى الكبرى الدول غير النووية بالامتناع عن امتلاك السلاح النووي، بينما تواصل هي تحديث ترساناتها وتطوير قدراتها التدميرية.
وبحسب قراءة الصحيفة، فإن الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران لا تنتج أمناً ولا تمنع التصعيد، بل تعمّق القناعة بأن النظام الدولي لا يحمي إلا الأقوياء، وأن الدول المستهدفة بالحصار والعدوان لن تثق بالوعود الغربية ما لم تمتلك أدوات ردع تمنع تكرار الغزو والابتزاز.
وفي المحصلة، ترى الغارديان أن العدوان على إيران قد يتحول إلى نقطة فاصلة في الحسابات الاستراتيجية لطهران، فبدلاً من دفعها إلى التراجع، قد يرسخ لديها قناعة أكثر صلابة بأن الدبلوماسية بلا قوة لا تكفي، وأن السيادة لا تُحمى إلا بردع قادر على كسر معادلة التهديد الأمريكي ـ الإسرائيلي.
