تتسع دائرة الإدانة الدولية ضد الاحتلال الإسرائيلي بصورة غير مسبوقة على خلفية الانتهاكات المهينة والوحشية التي تعرّض لها ناشطو “أسطول الصمود”، في تطور يكشف أن جريمة اعتراض السفن المدنية واحتجاز المتضامنين لم تعد مجرد حادثة أمنية عابرة، بل تحولت إلى فضيحة سياسية وأخلاقية ودبلوماسية تتصدرها صورة الوزير المتطرف إيتمار بن غفير بوصفه واجهة مباشرة لسلوك الاحتلال القائم على الإذلال العلني والقمع المنهجي.
فإلى جانب الإدانات السابقة، انضمت إندونيسيا إلى موجة التنديد، حيث أكدت خارجيتها إدانتها الشديدة للأعمال اللاإنسانية التي ارتكبها “الاحتلال الإسرائيلي” بحق متطوعي أسطول الصمود، في وقت أعلن فيه وزير الخارجية الإسباني أن 44 ناشطاً من المشاركين في الأسطول من المتوقع ترحيلهم إلى إسبانيا عبر تركيا في رحلة جوية خاصة، بما يؤكد أن أزمة الأسطول لم تعد ملفاً محصوراً في البحر أو الميناء، بل تحولت إلى قضية دولية مفتوحة تفرض نفسها على العواصم والحكومات.
ومن بولندا، ارتفعت اللهجة إلى مستوى أكثر حدة، إذ أعلن وزير الخارجية رادوسلاف سيكورسكي استدعاء القائم بأعمال الاحتلال الإسرائيلي بشأن احتجاز نشطاء أسطول الصمود، مع المطالبة بالإفراج الفوري عن المواطنين البولنديين ومعاملتهم وفق المعايير الدولية، كما أوصى بعدم السفر إلى “إسرائيل”، قبل أن تعلن الخارجية البولندية لاحقاً أنها طلبت منع بن غفير من دخول أراضيها بسبب انتهاكاته ضد نشطاء الأسطول. وهذه الخطوة تمثل تطوراً لافتاً، لأنها تنقل الرد من مستوى التنديد السياسي إلى إجراءات عقابية مباشرة تستهدف شخص الوزير نفسه.
كما انضمت مالطا إلى هذا المسار، حيث وصف وزير خارجيتها إيان بورغ سلوك بن غفير تجاه الناشطين بأنه غير مقبول، مطالباً بالإفراج عنهم، فيما ذهب نائب رئيس وزراء أيرلندا سايمون هاريس إلى أبعد من ذلك حين اعتبر أن ما قامت به “إسرائيل” تجاه أسطول الصمود شنيع لا يمكن تجاهله، وأنه يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، داعياً الاتحاد الأوروبي إلى الرد على الاحتلال عبر تعليق بنود الاتفاق التجاري معه. وهنا، تتجاوز الدعوات حدود الاعتراض الأخلاقي، لتلامس مستوى الضغط السياسي والاقتصادي المنظم على حكومة الاحتلال.
ومن جهة أخرى، عبر وزير خارجية إستونيا عن رفضه الصريح للصور التي نشرها بن غفير، واصفاً إياها بأنها صادمة ومرفوضة، بينما أعلن وزير الخارجية التركي أن أنقرة تخطط لإعادة مواطنيها إلى جانب مشاركين آخرين من دول مختلفة عبر رحلات جوية خاصة، في خطوة تعكس حجم الحراك القنصلي والسياسي الذي فرضته الانتهاكات الإسرائيلية بحق ناشطي الأسطول.
وفي السياق نفسه، قال ممثل مجلس السلام في غزة نيكولاي ملادينوف إن ما فعله بن غفير غير مقبول ومخز، بينما شددت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي على أن ناشطي أسطول الصمود فضحوا “إسرائيل”، معتبرة أن احتجازهم يشكل قرصنة ومخالفة قانونية. ويكتسب هذا التوصيف أهمية كبيرة، لأنه ينقل الحادثة من خانة “التجاوز الأمني” إلى توصيف قانوني دولي ينظر إليها كفعل قرصنة صريح ضد بعثة مدنية في المياه الدولية.
وفي تطور إضافي يضيق الخناق على الاحتلال، أفادت رويترز بأن بريطانيا استدعت القائم بأعمال الاحتلال الإسرائيلي إلى وزارة الخارجية على خلفية الفيديو التحريضي الذي نشره بن غفير، مؤكدة أنها تتواصل مع عائلات عدد من النشطاء البريطانيين وتبدي استعدادها لتقديم الدعم القنصلي الكامل لهم. كما شددت الخارجية البريطانية على أنها تدين بشدة تصرفات بن غفير التي استهزأ فيها بالمشاركين في أسطول الصمود العالمي، في موقف يعكس أن الإحراج الإسرائيلي لم يعد مقتصراً على خصوم تقليديين، بل بات يطال حتى دوائر غربية ارتبطت تاريخياً بعلاقات وثيقة مع الاحتلال.
وفي إيطاليا، دعا وزير الخارجية الإيطالي مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي إلى مناقشة فرض عقوبات على بن غفير، لتكتمل بذلك صورة عزلة متنامية لا تستهدف فقط سلوك الحكومة الإسرائيلية، بل أحد أبرز رموز تطرفها وتحريضها. وهذا يعني أن الفضيحة لم تعد تدور حول سوء معاملة ناشطين فحسب، بل حول طبيعة المنظومة الحاكمة في تل أبيب، التي باتت شخصياتها الأكثر تطرفاً تُطرح كأهداف محتملة للعقوبات والمنع الدبلوماسي.
وفي موازاة هذا المسار، جاء موقف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الرافض لقرار تحويل مقر الأونروا في القدس إلى “منشآت عسكرية إسرائيلية” ليؤكد أن الاحتلال يواصل نهجه في الاستباحة السياسية والقانونية ليس فقط بحق الناشطين والمتضامنين، بل أيضاً بحق ممتلكات الأمم المتحدة نفسها. فقد شدد غوتيريش على أن مجمع الأونروا في الشيخ جراح ما يزال من ممتلكات المنظمة الدولية، وأن خطوة الكيان تمثل انتهاكاً لحرمة مباني الأمم المتحدة وتقويضاً لعمل الوكالة الأممية. ويضع هذا التطور فضيحة الأسطول ضمن مشهد أوسع من التمرد الإسرائيلي على القانون الدولي والمؤسسات الدولية.
في المحصلة، فإن المشهد بات أكثر وضوحاً: بن غفير لم يعد مجرد وزير متطرف داخل حكومة متطرفة، بل تحول إلى عنوان دولي لفضيحة الاحتلال. فمن أستراليا ونيوزيلندا وإندونيسيا وبولندا ومالطا وإسبانيا وإستونيا وأيرلندا وتركيا وبريطانيا وإيطاليا، إلى أصوات أممية وأوروبية وحقوقية، تتعاظم القناعة بأن ما جرى مع أسطول الصمود ليس حادثة احتجاز، بل اعتداء مهين ومنظم يرقى إلى القرصنة والتعذيب والإذلال السياسي. وكلما اتسعت هذه الإدانات، ازداد وضوح المأزق الإسرائيلي: تل أبيب لم تنجح في إسكات المتضامنين مع غزة، بل حولتهم إلى مرآة فضحت أمام العالم وحشية الاحتلال وسلوك رموزه الأكثر انحطاطاً.
