ذات صلة

الأكثر مشاهدة

حين يصبح الموقفُ الشعبي وقوداً للمعادلات

إنَّ المتأمل في مشهد "السبعين" لا يرى مجرد حشودٍ...

عدن تحت صيف الاختناق.. كهرباء منهارة و150 مليون دولار سعودية بلا أثر واضح

تدخل مدينة عدن صيف العام 2026 وهي ترزح تحت واحدة من أقسى الأزمات الخدمية والإنسانية، في ظل انهيار متواصل لمنظومة الكهرباء، وتصاعد درجات الحرارة والرطوبة إلى مستويات خانقة، بينما تقف حكومة التحالف ومرتزقته عاجزة أمام كارثة تتفاقم يوماً بعد آخر، وتكشف حجم الفشل والفساد في إدارة أبسط مقومات الحياة.

وتتسع معاناة المواطنين في عدن مع استمرار الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي، في مدينة ساحلية يقطنها مئات الآلاف وتعتمد بصورة أساسية على الكهرباء لمواجهة المناخ القاسي. ومع ذلك، لم يجد السكان سوى الوعود المكررة، والبيانات الباردة، فيما تحولت الكهرباء إلى ملف ابتزاز ومعاناة يومية يهدد حياة الناس وصحتهم ومعيشتهم.

وخلال الأيام الماضية، سجلت تقارير محلية وفاة خمس حالات في مديرية كريتر، بالتزامن مع موجة حر شديدة وانقطاع شبه مستمر للكهرباء، الأمر الذي أثار قلقاً واسعاً في الشارع العدني، خصوصاً مع تدهور الأوضاع الصحية والمعيشية داخل الأحياء السكنية الأكثر تضرراً من ارتفاع الحرارة وضعف التهوية.

وتكشف الأرقام الرسمية عمق الانهيار، إذ تجاوزت الأحمال المطلوبة 630 ميجاوات، في حين بلغ العجز القائم أكثر من 450 ميجاوات، ما أدى إلى تراجع ساعات التشغيل إلى نحو ساعتين فقط مقابل ثماني ساعات انطفاء في عدد من المناطق. وهذه الأرقام لا تعكس مجرد خلل فني، بل تكشف فشلاً بنيوياً متراكماً في سلطة تدّعي إدارة المحافظات الواقعة تحت الاحتلال، بينما تعجز عن توفير الحد الأدنى من الخدمات.

ويؤكد مختصون أن أزمة كهرباء عدن لم تعد مشكلة موسمية مرتبطة بارتفاع الأحمال، بل تحولت إلى ملف استراتيجي يفضح غياب التخطيط، وتعثر المشاريع، وانعدام المعالجات الجذرية، واستمرار الاعتماد على حلول ترقيعية وإسعافية لا تصمد أمام أول موجة حر.

وتتجاوز تداعيات الأزمة حدود الخدمة العامة، إذ أصبحت الكهرباء قضية حياة أو موت بالنسبة للأطفال وكبار السن والمرضى. فالانقطاعات الطويلة في ظل الرطوبة والحرارة المرتفعة تجعل المنازل بيئات خانقة، وتزيد من مخاطر الإجهاد الحراري والجفاف وضربات الشمس، خصوصاً لدى المصابين بالأمراض المزمنة.

كما تضرب الأزمة القطاعات الاقتصادية والصحية في المدينة، حيث تتحمل المحال التجارية وورش الأعمال الصغيرة تكاليف إضافية بسبب الاعتماد على المولدات الخاصة، فيما تواجه المستشفيات والمراكز الصحية ضغوطاً متزايدة للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات في ظل الانقطاعات المتكررة.

وتعيد هذه الكارثة الخدمية فتح ملف المنحة السعودية المعلنة بقيمة 150 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء في المناطق الخاضعة لحكومة التحالف، والمخصصة لتوفير المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء حتى نهاية عام 2026. غير أن استمرار الانطفاءات الطويلة يطرح سؤالاً كبيراً في الشارع العدني: أين ذهب الدعم السعودي؟ ولماذا لم ينعكس على حياة الناس؟

ورغم الإعلان عن المنحة بوصفها دعماً يهدف إلى استقرار الخدمة الكهربائية وتخفيف معاناة المواطنين، إلا أن الواقع الميداني يقول عكس ذلك. فالكهرباء ما تزال منهارة، والعجز يتسع، والمعاناة تتفاقم، ما يجعل هذه المنحة شاهداً جديداً على أن المشكلة ليست في نقص الأموال فقط، بل في منظومة فساد وفشل وارتهان تديرها أدوات التحالف بعيداً عن احتياجات الناس.

ويؤكد هذا المشهد أن تحالف العدوان ومرتزقته لم يقدموا لعدن سوى الشعارات والوعود، بينما تُترك المدينة لمصيرها في مواجهة حر الصيف، وانهيار الخدمات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتدهور الصحة العامة، في وقت تستمر فيه الجهات التابعة للتحالف في تبادل الاتهامات بدلاً من تحمل المسؤولية.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة واتساع فجوة العجز الكهربائي، تبدو عدن مقبلة على صيف أكثر قسوة، تتداخل فيه الأزمة الخدمية مع المعاناة الاقتصادية والإنسانية. وما لم تُتخذ حلول جذرية حقيقية، فإن المدينة ستبقى رهينة للفشل ذاته، وسيظل المواطن العدني يدفع ثمن سياسات الارتهان والفساد والانقسام.

إن أزمة كهرباء عدن اليوم ليست مجرد انقطاع تيار، بل إدانة سياسية وخدمية كاملة لسلطة المرتزقة وتحالف العدوان، الذي يدّعي دعم المحافظات المحتلة بينما تئن عدن تحت الظلام والحر والاختناق، في مشهد يختصر حقيقة المشروع الذي لم يجلب للمدينة سوى الانهيار والنهب والمعاناة.

spot_imgspot_img