ذات صلة

الأكثر مشاهدة

ترامب يستعيد هامش الحرب وإدارته تبدأ الانكفاء.. فجوة خليجية وأمريكا تعيد تموضعها بعد حرب إيران

تتحرك واشنطن على خطين متوازيين بعد الحرب على إيران: الأول سياسي، عبر محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استعادة ورقة الحرب ومنع الكونغرس من تقييد صلاحياته العسكرية، والثاني عسكري، عبر بدء مؤشرات إعادة التموضع وسحب جزء من القدرات الجوية الأمريكية التي استُخدمت خلال الحرب، وفي مقدمتها طائرات التزود بالوقود من مطار بن غوريون.

سياسياً، مثّل تعطيل مجلس الشيوخ الأمريكي لمسار تقييد صلاحيات ترامب في حرب إيران انتصاراً تكتيكياً للرئيس الأمريكي، بعد ضغوط مارسها على أعضاء جمهوريين كانوا قد أبدوا ميلاً لدعم قرارات تحدّ من قدرته على مواصلة الحرب دون موافقة الكونغرس. وبذلك نجح ترامب في انتزاع هامش حركة أوسع، لكنه لم ينجح في إخفاء حجم الاعتراض الداخلي على كلفة الحرب ونتائجها.

وتأتي هذه الخطوة وسط أزمة ثقة واضحة بين واشنطن وحلفائها الخليجيين، ظهرت خلال جولة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وقمة المنامة، حيث عبّر وزراء خليجيون عن تذمرهم من استبعادهم من مسار التفاهم الأمريكي الإيراني، وتجاهل مصالحهم الأمنية والإقليمية، خصوصاً في ملف مضيق هرمز ومستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة.

وحاول روبيو احتواء القلق الخليجي بالتأكيد أن أي اتفاق مع إيران لن يكون على حساب أمن الحلفاء، وأن واشنطن حريصة على حرية الملاحة في هرمز دون “رسوم أو قيود أو محاولات سيطرة”. لكنه، في المقابل، نأى بنفسه عن مناقشة صندوق إعمار إيران المقدر بنحو 300 مليار دولار، وهو الملف الذي أثار مخاوف خليجية من تحمّل فاتورة حرب لم تقررها تلك الدول، ومن أن تتحول الأموال لاحقاً إلى رافعة جديدة لقوة إيران الإقليمية.

عسكرياً، بدأت الولايات المتحدة بإخلاء جزء من أساطيل طائرات التزود بالوقود التي تمركزت في مطار بن غوريون خلال الحرب، حيث تحدثت تقارير عبرية عن مغادرة نحو 28 طائرة تزود بالوقود خلال الساعات الأخيرة. وهذه الخطوة لا تبدو إجراءً لوجستياً عادياً، بل مؤشراً على بدء تفكيك البنية الجوية التي دعمت العمليات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.

وتحمل مغادرة هذا العدد من طائرات التزود بالوقود دلالة استراتيجية مهمة؛ فهذه الطائرات كانت عموداً أساسياً في إدامة الطلعات الجوية بعيدة المدى خلال الحرب، وسحبها يعني تقليص القدرة الأمريكية على إدارة عمليات جوية مكثفة من داخل مسرح الاشتباك، وقد يمهّد لاحقاً لإعادة تموضع أوسع تشمل السفن والبوارج والقواعد المنتشرة في الخليج والبحر الأحمر.

وتقرأ طهران هذه التطورات باعتبارها نتيجة مباشرة للمعادلة التي فرضتها خلال الحرب: إيران لم تُكسر، هرمز لم يخرج من حساباتها، والقواعد الأمريكية أصبحت عبئاً على حلفاء واشنطن لا ضمانة لأمنهم. لذلك تحاول الإدارة الأمريكية الجمع بين خطاب القوة أمام الداخل الأمريكي، ورسائل الطمأنة للخليجيين، وخطوات خفض التصعيد أمام إيران.

أما الخليج، فيبدو عالقاً بين مأزقين: فهو يخشى اتفاقاً أمريكياً إيرانياً يعيد ترتيب المنطقة من فوق رأسه، ويخشى في الوقت نفسه الانخراط في تمويل إعمار إيران أو دفع “فاتورة الحرب” سياسياً ومالياً. وهذا ما يجعل قمة المنامة مؤشراً على تراجع الثقة لا على نجاح الطمأنة الأمريكية.

وفي المحصلة، لا تظهر واشنطن في موقع المنتصر الكامل، رغم استعادة ترامب لهامش الحرب داخل مجلس الشيوخ. فالتحركات العسكرية توحي بـ انكفاء محسوب، والتحفظات الخليجية تكشف اهتزاز منظومة الحماية الأمريكية، والاتفاق مع إيران يفرض واقعاً جديداً في هرمز والمنطقة. وبذلك، تبدو الحرب التي أرادت واشنطن وتل أبيب أن تكون مدخلاً لكسر إيران، وقد تحولت إلى بداية إعادة رسم التوازنات على حساب النفوذ الأمريكي التقليدي في الشرق الأوسط.

spot_imgspot_img