بدأت إيران مراسم وداع وتشييع قائد الثورة الإيرانية السابق الشهيد السيد علي خامنئي وسط حضور رسمي وشعبي واسع، في مشهد وُصف بأنه من أكبر المراسم الجنائزية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، بمشاركة عشرات الوفود الأجنبية والشخصيات الدينية والسياسية وقيادات من قوى المقاومة، إلى جانب ترتيبات أمنية وخدمية استثنائية في العاصمة طهران والمدن التي ستشهد المراحل اللاحقة من التشييع.
واستقبلت الحشود المنتظرة في طهران نعش السيد خامنئي ونعوش عدد من أفراد عائلته، في مستهل مراسم تمتد حتى 9 يوليو/تموز الجاري، حيث وُضعت النعوش داخل المصلى الكبير المشيد تكريماً للإمام روح الله الخميني، في أجواء طغت عليها مشاهد الحزن والبكاء وهتافات الرثاء، إيذاناً بانطلاق وداع تاريخي لقائد قاد الجمهورية الإسلامية على مدى 36 عاماً.
وتأتي هذه المراسم بعد أشهر من استشهاد خامنئي في 28 فبراير/شباط الماضي إثر ضربات أمريكية إسرائيلية استهدفت مجمعاً يضم مقر إقامته في طهران، في اليوم الأول من الحرب التي فجّرت المنطقة، قبل أن تُؤجل مراسم الدفن إلى حين التوصل إلى مذكرة تفاهم بوساطة باكستانية وقطرية فتحت الباب أمام الترتيبات الرسمية الواسعة للتشييع.
وعلى المستوى الرسمي، أكد المتحدث باسم لجنة وداع وتشييع المرشد السابق إيمان عطار زاده أن مراسم الجمعة شهدت حضوراً لافتاً لوفود أجنبية وشخصيات بارزة ونخب دينية وإعلامية، موضحاً أن المشاركة الدولية توزعت على ثلاثة مستويات شملت الجماهير الشعبية الوافدة من الخارج، والشخصيات الأكاديمية والدينية والإعلامية وقيادات فصائل المقاومة، إلى جانب الوفود الرسمية. وأشار إلى مشاركة أكثر من 50 وفداً رسمياً، من بينها 8 وفود على مستوى رؤساء الدول والحكومات، و12 وفداً على مستوى رؤساء البرلمانات، إضافة إلى وفود أخرى على مستوى نواب ووزراء خارجية ووزراء آخرين.
وفي هذا السياق، برز الوفد اليمني الرسمي كأحد أبرز الوفود المشاركة في مراسم التشييع، في حضور حمل دلالات سياسية ورمزية واضحة تعكس عمق العلاقة بين صنعاء وطهران. فقد وصل الوفد الرسمي للجمهورية اليمنية إلى طهران للمشاركة في مراسم التشييع، برئاسة عضو المجلس السياسي الأعلى محمد النعيمي، حيث انضم مباشرة إلى مراسم الوداع الرسمية للإمام الشهيد السيد علي خامنئي، في خطوة أكدت الحضور اليمني الرسمي المباشر في هذا الحدث المفصلي.
واكتسبت المشاركة اليمنية بعداً إضافياً مع تسيير رحلة إيرانية مدنية إلى صنعاء حملت على متنها أكثر من 200 مواطن يمني من المرضى والعالقين والمسافرين، قبل أن تغادر صنعاء وعلى متنها الوفد اليمني الرسمي المشارك في التشييع، في تطور جمع بين البعد السياسي والبعد الإنساني، وأظهر مستوى التنسيق القائم بين صنعاء وطهران في ظرف بالغ الحساسية. وبذلك، لم تكن مشاركة الوفد اليمني مجرد حضور بروتوكولي، بل جاءت محمّلة برسائل سياسية تتصل بموقع اليمن ضمن محور المقاومة، وبالعلاقة التي تربط صنعاء بالجمهورية الإسلامية.

وشهدت المراسم حضور عدد كبير من الشخصيات والوفود الرسمية، من بينهم الرئيس العراقي نزار آميدي، ورئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي، ورئيس إقليم كردستان نيجيرفان البارزاني، ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس جمهورية جورجيا ميخائيل كافيلاشفيلي، إضافة إلى جودت يلماز نائب الرئيس التركي، ووليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي، ووفود من قطر ومصر وعُمان، إلى جانب ممثلين عن حزب الله وحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي.
كما شهدت المراسم ظهوراً علنياً نادراً لقائد الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي أمام نعش السيد خامنئي، في مشهد حمل دلالات أمنية وسياسية لافتة، خصوصاً مع حساسية المرحلة التي أعقبت الحرب الأخيرة. كذلك حضرت أسرة الأمين العام الراحل لحزب الله السيد حسن نصر الله، إلى جانب أسرة القائد عماد مغنية، في مشاركة عكست عمق الروابط بين الجمهورية الإسلامية وحلفائها في محور المقاومة.
وعلى المستوى الشعبي والتنظيمي، تحدث مسؤولون إيرانيون عن توقعات بمشاركة ما بين 15 و20 مليون مشيع، ما قد يجعلها أكبر جنازة رسمية في تاريخ البلاد. وبدا واضحاً حجم التعبئة الأمنية والخدمية في طهران، مع انتشار واسع للجيش والشرطة وقوات الباسيج، بالتزامن مع تحذيرات إيرانية لواشنطن و”تل أبيب” من أي محاولة لاستهداف مراسم التشييع.
وفي الجانب الخدمي، أعلنت بلدية طهران خطة استيعاب ضخمة تشمل 3.6 ملايين ضيف، منهم 2.8 مليون داخل العاصمة و800 ألف في ضواحيها والمدن المحيطة، إلى جانب تجهيز مدارس ومساجد وصالات رياضية وحدائق ومرافق عامة لاستقبال المشيعين، وتوفير أسطول ضخم من الحافلات وقطارات المترو وسيارات الأجرة، مع فرض قيود مرورية واسعة وإغلاق جزئي ثم كامل للمجال الجوي في بعض أيام المراسم.
ومن المقرر أن تستمر مراسم التشييع في طهران حتى الاثنين، قبل انتقال الجثمان إلى قم يوم الثلاثاء، ثم إقامة مراسم إضافية في النجف وكربلاء يوم الأربعاء، على أن يُوارى الثرى يوم الخميس في مشهد قرب ضريح الإمام الرضا، في ختام مراسم متعددة المحطات تحمل أبعاداً دينية وسياسية ورمزية كبرى.
