دخلت الأزمة بين طهران وواشنطن مرحلة أكثر حساسية، بعدما ربطت إيران بصورة صريحة استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة بتنفيذ البند الخاص بـ لبنان في مذكرة التفاهم، في وقت عاد فيه مضيق هرمز إلى واجهة التوتر مع تسجيل حادثة جديدة لناقلة نفط، بالتزامن مع خطوة أمريكية تصعيدية تمثلت في إلغاء الترخيص العام الذي كان يجيز بيع النفط الإيراني. وتكشف هذه التطورات أن مسار التفاهم لم يعد يواجه مجرد تعثر سياسي، بل دخل طور الضغط المتبادل واختبار الإرادات بين طرف يريد تثبيت التزاماته كاملة، وآخر يحاول إعادة استخدام أدوات العقوبات والابتزاز الاقتصادي.
وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن “المفاوضات مع الولايات المتحدة لن تُستأنف ما لم يُنفَّذ البند المتعلق بلبنان في مذكرة التفاهم”، واضعاً بذلك الملف اللبناني في قلب المعادلة السياسية بين طهران وواشنطن. ثم عاد عراقجي، خلال لقائه نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان علي الخطيب، ليشدد على أن إيران تواصل دعمها الشامل للبنان ووحدة أراضيه وسيادته الوطنية، وأنها ستواصل جهودها من أجل إنهاء عدوان الكيان الصهيوني واحتلاله للأراضي اللبنانية، في رسالة واضحة بأن طهران لا تنظر إلى لبنان كملف جانبي قابل للمساومة، بل كجزء أصيل من معركة السيادة في المنطقة. وجاء رد الشيخ علي الخطيب منسجماً مع هذا الموقف، حين أكد أن الموقف المبدئي لإيران خلال المفاوضات في دعم لبنان محل تقدير، وأن الصمود الإيراني في مواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني عزز اقتدار الجمهورية الإسلامية وأصبح موضع اعتزاز لدى أحرار العالم.
وفي مقابل هذا التشدد الإيراني، سجل مضيق هرمز تطوراً ميدانياً جديداً بعد إعلان هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية تلقيها بلاغاً عن حادثة جديدة تتعلق بناقلة نفط في المضيق. ووفق التحذير البريطاني، فإن الناقلة تعرضت لإصابة بمقذوف مجهول، مع أضرار هيكلية من دون تسجيل إصابات بشرية أو تلوث بيئي، ما يعكس عودة الممر البحري الأكثر حساسية في العالم إلى دائرة التوتر الأمني المباشر. وتكتسب هذه الحادثة أهمية مضاعفة لأنها تأتي في لحظة سياسية مأزومة، وتؤكد أن أمن الملاحة في هرمز بات مرتبطاً مباشرة بمسار تنفيذ التفاهمات واحترام الالتزامات، لا بمجرد التصريحات أو التطمينات الشكلية.
وفي مواجهة محاولات تحميل إيران مسؤولية التصعيد في المضيق، أصدرت الخارجية الإيرانية موقفاً شديد اللهجة، معتبرة أن الاتهامات القطرية بشأن الهجوم المزعوم على سفينة مرتبطة بها في مضيق هرمز “تثير علامات استفهام وتتعارض مع مبدأ حسن الجوار”. كما أكدت طهران أنها ملتزمة بتنفيذ تعهداتها بشأن إدارة مضيق هرمز وتقديم الخدمات البحرية وفق مذكرة التفاهم، متوقعة من قطر، بوصفها وسيطاً مطلعاً على تفاصيل المذكرة، ومن شركات الشحن، الامتناع عن أي إجراءات تخالفها. والأهم أن الخارجية الإيرانية أوضحت أن بعض السفن التجارية تعبر عبر مسارات غير منسقة مع إيران وتقوم بإطفاء أو التلاعب بأنظمة التتبع AIS وGPS، وهو ما يهدد أمن الملاحة ويرفع مخاطر الاصطدام ويعرقل جهود تأمين العبور الآمن. وبذلك، نقلت طهران النقاش من محاولة اتهامها بالتصعيد إلى تحميل الأطراف المخالفة مسؤولية الإرباك الملاحي، مع التشديد على أن إدارة هرمز يجب أن تُقرأ ضمن قواعد التفاهم الجديدة لا خارجها.
وعلى الصعيد الاقتصادي، اتخذت واشنطن خطوة تصعيدية واضحة بعدما نقلت رويترز عن مسؤول أمريكي أن وزارة الخزانة ألغت الترخيص العام الذي كان يجيز بيع النفط الإيراني. وهذه الخطوة تمثل انقلاباً مباشراً على مسار التسهيلات المؤقتة التي كانت قد أُقرت في يونيو للسماح ببيع النفط الإيراني لمدة 60 يوماً ضمن إطار التفاهمات الجارية. وقد انعكس القرار الأمريكي فوراً على الأسواق، إذ ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت عند التسوية إلى 74.16 دولاراً للبرميل، بزيادة 3.01%، كما صعد مؤشر الدولار مع تنامي المخاوف من ضغوط إضافية على سوق الطاقة. وتشير هذه الأرقام إلى أن أي عبث أمريكي بملف النفط الإيراني أو أي تصعيد جديد في هرمز لا يبقى محصوراً في الإطار السياسي، بل يرتد سريعاً على الأسواق العالمية والطاقة والتجارة.
وفي الخلاصة، فإن المشهد الراهن يرسم معادلة شديدة الوضوح: طهران تقول لا تفاوض قبل تنفيذ الالتزامات، وخصوصاً ما يتعلق بلبنان، فيما تعود واشنطن إلى لغة العقوبات ويعود هرمز إلى دائرة التوتر. وبين هذا وذاك، يتأكد أن الصراع لم يعد يدور فقط حول بنود مذكرة تفاهم، بل حول من يملك حق فرض إيقاع المرحلة: إيران التي تتمسك بالتنفيذ الكامل والمتزامن، أم الولايات المتحدة التي تحاول استعادة أسلوب الضغط الانتقائي. أما لبنان، فيبقى في قلب هذه المعادلة، باعتباره خطاً أحمر إيرانياً لا يبدو أن طهران مستعدة لتجاوزه أو القبول بتحويله إلى ورقة مؤجلة في بازار التفاهمات.
