دخلت المواجهة بين صنعاء وتحالف العدوان بقيادة السعودية مرحلة جديدة مع إعلان القوات المسلحة اليمنية بدء تنفيذ معادلة “الحصار بالحصار”، في خطوة تقول صنعاء إنها تأتي رداً على سنوات من الحصار والإغلاق والقيود المفروضة على اليمن، بينما بدأت مؤسسات الملاحة والتأمين الدولية التعامل مع القرار باعتباره تطوراً ميدانياً مؤثراً يتجاوز الحسابات السياسية إلى التأثير المباشر على حركة الشحن والطاقة العالمية.
وأظهرت التقارير الصادرة عن شركات الأمن البحري ووكالات الاقتصاد الدولية أن تداعيات القرار اليمني بدأت تنعكس على حسابات قطاع النقل البحري، حيث أقرت شركة “أمبري” البريطانية للأمن البحري بأن السفن المرتبطة بالسعودية أصبحت ضمن نطاق مخاطر مرتفعة في البحر الأحمر وخليج عدن.
وأكدت الشركة أن “السفن التي ترفع العلم السعودي أو تملكها أو تشغلها جهات سعودية تواجه مخاطر مرتفعة لهجمات يمنية”، مشيرة إلى أن السفن القادمة من وإلى الموانئ السعودية باتت تُصنف ضمن الأنماط ذات الارتباط القوي بالأهداف اليمنية، وهو ما دفعها إلى دعوة شركات الملاحة إلى إعادة تقييم عمليات العبور عالية المخاطر ومراجعة ارتباطات سفنها.
وكشفت “أمبري” أن القوات اليمنية قامت ببث تحذيرات عبر القناة البحرية الدولية (VHF Channel 16) للسفن المرتبطة بالسعودية، في مؤشر على انتقال القرار من مستوى الإعلان السياسي إلى إجراءات تحذيرية تؤثر في حسابات المشغلين البحريين.
وفي البعد الاقتصادي، كشفت وكالة رويترز أن قرار الحظر البحري اليمني انعكس سريعاً على قطاع التأمين، حيث ارتفعت رسوم التأمين على السفن العاملة في البحر الأحمر من 0.3% إلى 0.75% من قيمة السفينة، وهو ارتفاع يعكس تصاعد المخاطر التي باتت تحسبها شركات التأمين العالمية عند التعامل مع المسارات البحرية المرتبطة بالسعودية.
وأشارت رويترز إلى أن ميناء ينبع السعودي يمثل شرياناً رئيسياً لصادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر، محذرة من أن أي اضطراب في هذا المسار قد يفرض تداعيات واسعة على حركة الطاقة العالمية، خصوصاً مع اعتماد المملكة على هذا الخط لتصدير كميات كبيرة من النفط الخام.
أما صحيفة فايننشال تايمز البريطانية فقد اعتبرت أن الحظر البحري اليمني يهدد أحد أهم طرق تصدير النفط السعودي إلى آسيا، موضحة أن المملكة تعتمد على خط أنابيب يمتد من شرق البلاد إلى ميناء ينبع، حيث يتم تصدير ملايين البراميل يومياً عبر البحر الأحمر.
وقالت الصحيفة إن “أي تعطيل للملاحة عبر البحر الأحمر سيضيف ضغوطاً جديدة على تجارة النفط العالمية”، خاصة في ظل اضطراب الممرات البحرية الأخرى في المنطقة، مشيرة إلى أن مجرد إعلان الحظر تسبب في حالة من عدم اليقين لدى شركات الشحن والتأمين.
وفي السياق ذاته، أكدت وكالة بلومبيرغ الأمريكية أن القرار اليمني يمثل “مخاطرة إضافية لإمدادات النفط من الشرق الأوسط”، مشيرة إلى أن السعودية حولت جزءاً كبيراً من صادراتها النفطية إلى ميناء ينبع بعد تعطل مسارات أخرى، الأمر الذي جعل البحر الأحمر مساراً حيوياً وحساساً لأي تصعيد.
وأضافت الوكالة أن الصادرات السعودية عبر ينبع وصلت إلى مستويات مرتفعة خلال الفترة الماضية، لكنها اعتبرت أن استمرار التوتر في البحر الأحمر يجعل هذا المسار أكثر عرضة للمخاطر.
كما حذرت شبكة CBS News الأمريكية من أن أي إغلاق كامل لمضيق باب المندب يمكن أن يؤدي إلى خفض إمدادات النفط العالمية بنحو 7%، معتبرة أن أهمية المضيق تتجاوز البعد الإقليمي باعتباره أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا.
ويرى مراقبون أن ما يميز المرحلة الحالية هو أن صنعاء استطاعت نقل المواجهة إلى مساحة اقتصادية حساسة، حيث بدأت شركات عالمية في إعادة حساباتها بناءً على المتغير اليمني، بعد أن أثبتت التجارب السابقة قدرة القوات اليمنية على التأثير في حركة الملاحة بالبحر الأحمر.
ويأتي ذلك في ظل تأكيد صنعاء أن قرارها ليس تصعيداً منفصلاً، بل رداً على ما تصفه باستمرار الحصار السعودي على اليمن وتعطيل الموانئ والمطارات ومنع وصول الحقوق الاقتصادية والإنسانية للشعب اليمني.
وأكد الرئيس مهدي المشاط أن “الحقوق المشروعة للشعب اليمني لن تُستجدى من العدو السعودي بل ستُنتزع”، مشدداً على أن استمرار الحصار جعل اتخاذ إجراءات مقابلة أمراً لا يمكن تجنبه، فيما أوضح رئيس الوفد الوطني محمد عبدالسلام أن “الحصار بالحصار هو الرد الطبيعي على استمرار التعنت والمماطلة”.
ومع اتساع التغطية الدولية للقرار اليمني، تبدو معادلة البحر الأحمر أمام اختبار جديد، حيث تسعى صنعاء إلى تثبيت واقع ردع جديد في مواجهة تحالف العدوان، بينما تواجه السعودية ضغوطاً متزايدة تتعلق بأمن موانئها وخطوط تصدير النفط ومسارات التجارة البحرية المرتبطة بها.
