تدخل صنعاء الذكرى الثانية عشرة لثورة 21 سبتمبر الاستقلالية في واحدة من أكثر مراحل المواجهة مع السعودية تعقيداً، بعد انتقال المعركة خلال الأسابيع الأخيرة من حالة التهدئة والمراوحة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة تمتد من الجوف ومأرب ومرتفعات تعز ولحج، مروراً بالساحل الغربي وباب المندب، وصولاً إلى العمق السعودي ومنشآته العسكرية والنفطية.
وفي خطابه بالمناسبة، قدّم قائد أنصار الله السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي قراءة شاملة للمواجهة الحالية باعتبارها امتداداً مباشراً للصراع الذي فجّر ثورة 21 سبتمبر، واضعاً الحرية والاستقلال وإنهاء الوصاية الخارجية في صدارة أهدافها، ومؤكداً أن جوهر الأزمة مع السعودية والولايات المتحدة يتمثل في محاولة إعادة اليمن إلى مرحلة التحكم الخارجي بالقرار السياسي والعسكري والاقتصادي.
وأكد الحوثي أن ثورة 21 سبتمبر أنهت مرحلة كان القرار اليمني خلالها خاضعاً للتدخل الخارجي، وفي مقدمة ذلك النفوذ الأمريكي، مشيراً إلى أن المرحلة التي سبقت الثورة شهدت تفكيكاً لقدرات الجيش والدفاع الجوي والقوات البحرية، وانفلاتاً أمنياً واسعاً واغتيالات وتدهوراً اقتصادياً، في وقت كانت فيه السفارات الأجنبية تتدخل بصورة مباشرة في شؤون الدولة.
ووضع الحوثي الحرب التي بدأت عام 2015 في امتداد هذا المسار، متهماً السعودية بأنها تحركت «بدفع وإشراف ومشاركة أمريكية وبريطانية وإسرائيلية» لإعادة فرض الوصاية على اليمن، وأن الدعم الأمريكي لم يقتصر على السلاح والغطاء السياسي بل شمل، خلال مراحل الحرب المختلفة، الدعم العسكري والاستخباراتي والتخطيط العملياتي.
وفي مقابل ذلك، أكد أن صنعاء انتقلت خلال سنوات المواجهة من «نقطة الصفر» في بناء القدرات العسكرية إلى امتلاك منظومات صاروخية ودفاع جوي وطائرات مسيّرة وقدرات بحرية مكّنتها من تغيير طبيعة المواجهة وفرض معادلات عسكرية جديدة داخل اليمن وخارجه.
وتأتي هذه الرسائل في لحظة ميدانية مختلفة جذرياً عن السنوات السابقة، بعدما حققت قوات صنعاء خلال سبتمبر تقدماً واسعاً على الساحل الغربي وسيطرت على المخا ومواقع استراتيجية قرب باب المندب، قبل أن تنتقل المعارك إلى المرتفعات الواقعة بين تعز ولحج لتأمين الساحل وطرق الاقتراب من المضيق. وأكدت تقارير دولية أن التقدم السريع أدى إلى تراجع واسع للقوات التابعة للسعودية وغيّر ميزان القوة على ساحل البحر الأحمر.
ويرى خطاب صنعاء في هذه التطورات نتيجة مباشرة لفشل الرهان السعودي على التحشيد البري والإسناد الجوي، إذ اتهم الحوثي الرياض بحشد عشرات الآلاف من المقاتلين في الجوف والمخا والساحل الغربي والبيضاء تمهيداً لعملية عسكرية واسعة، قبل أن تتحول تلك الجبهات إلى ساحة هجوم معاكس من قوات صنعاء.
ورغم الكثافة الجوية السعودية، لم تنجح الغارات حتى الآن في وقف التقدم الميداني لقوات صنعاء في المرتفعات المطلة على الساحل. وأفادت «رويترز» بأن السعودية شنت مئات الغارات خلال الأيام الأخيرة، في حين واصلت قوات صنعاء الضغط للسيطرة على المرتفعات الاستراتيجية بين البحر الأحمر والمناطق الجنوبية.
وكان متحدث القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع قد أعلن أن 28 غارة سعودية جديدة بطائرات F-15 و«تايفون» استهدفت تعز والجوف ومأرب خلال 24 ساعة، لترتفع الحصيلة التي تعلنها صنعاء منذ بدء جولة التصعيد إلى 760 غارة جوية.
واتهم الحوثي السعودية بتوسيع دائرة الاستهداف إلى الجسور وأبراج الاتصالات والمناطق المدنية والإصلاحية المركزية في الجوف، رابطاً ذلك بما تعتبره صنعاء محاولة لتعويض الإخفاق الميداني عبر القوة الجوية.
وفي المقابل، نقلت صنعاء المواجهة إلى العمق السعودي، وأعلنت خلال الأيام الماضية تنفيذ هجمات بالصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت أرامكو في ينبع وقاعدة خميس مشيط وأهدافاً وصفتها بالحساسة في العاصمة الرياض. وأظهرت مشاهد لاحقاً ألسنة لهب وعموداً ضخماً من الدخان قرب مطار الملك خالد الدولي في الرياض، بالتزامن مع إنذارات جوية داخل العاصمة، بينما أعلنت صنعاء مسؤوليتها عن هجمات على الرياض وينبع.
ويقدم السيد الحوثي هذه العمليات في إطار معادلة أعلنتها صنعاء تحت عنوان «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد»، مؤكداً أن الانتقال إلى استهداف العمق السعودي جاء رداً على استئناف الغارات والحصار والتحشيد البري، وأن وقف هذه العمليات مرتبط بوقف الحرب ورفع القيود الاقتصادية والإنسانية.
ويحتل باب المندب والبحر الأحمر موقعاً مركزياً في المعادلة الجديدة. فبعد تقدم قوات صنعاء على الساحل، أكدت القيادة في صنعاء أن الملاحة الدولية ستظل آمنة، مع حصر الحظر بالسفن السعودية. وقد دفع التحول الميداني الولايات المتحدة إلى فتح قنوات مباشرة مع ممثلي صنعاء في مسقط، حيث تناولت المحادثات استمرار التهدئة وأمن الملاحة في البحر الأحمر.
وتكتسب هذه الاتصالات أهمية إضافية في ظل رفض واشنطن حتى الآن الدخول بصورة مباشرة في الحرب إلى جانب الرياض. وأكدت تقارير «رويترز» أن الإدارة الأمريكية رفضت طلبات سعودية متكررة للانخراط العسكري المباشر ضد قوات صنعاء، بينما اقتصر جانب مهم من الدعم على المعلومات والتنسيق، في الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطاً عسكرية واسعة في المنطقة.
ومن هنا صعّد الحوثي هجومه على العلاقة السعودية–الأمريكية، مؤكداً أن «الخبراء الأمريكيين والصهاينة يعملون جنباً إلى جنب مع السعودي»، واتهم الرياض بالسعي إلى استجلاب واشنطن وإسرائيل بصورة كاملة إلى الحرب، إضافة إلى محاولة دفع تركيا وباكستان وأطراف إقليمية أخرى للمشاركة في المواجهة.
كما اتهم السعودية بتقديم معلومات استخباراتية خلال العمليات الأمريكية والإسرائيلية السابقة ضد اليمن، وفتح مطاراتها أمام طائرات استطلاع إسرائيلية والمشاركة في اعتراض الصواريخ والمسيّرات اليمنية المتجهة نحو إسرائيل.
وفي الملف الاقتصادي، وضع الحوثي الحصار والمرتبات والثروات النفطية والغازية وحرية الموانئ والمطارات في صلب المواجهة، مؤكداً أن صنعاء لم تعد مستعدة للقبول باستمرار القيود التي أدت إلى تراكم أزمة إنسانية واقتصادية واسعة.
واتهم السعودية بحرمان اليمن من عائدات النفط والغاز ومنع استخدامها في دفع المرتبات والخدمات، وتشديد إجراءات الاستيراد والتفتيش والتضييق على الحركة التجارية، مؤكداً أن وصول الأزمة إلى مستويات تهدد الغذاء والخدمات الأساسية دفع صنعاء إلى الانتقال من الانتظار إلى الفعل.
ومن هذا المنطلق، قدّم الحوثي شروط صنعاء لخفض التصعيد بصورة مباشرة: «أوقفوا العدوان وأنهوا الحصار»، مؤكداً أن المطالب تتركز على حرية السفر والتجارة، وفتح المطارات والموانئ، واستعادة الثروات ودفع المرتبات وإنهاء التدخل الخارجي.
وتتقاطع هذه الرسالة مع الموقف الذي نقله الوفد الوطني المفاوض إلى المبعوث الأممي، والذي حمّل السعودية مسؤولية تعطيل الملفات الإنسانية والاقتصادية، مع تأكيد أن السلام لا يزال خياراً مطروحاً إذا جرى التعامل مع هذه المطالب.
وفي ملف مكة المكرمة، خصص السيد الحوثي جانباً واسعاً من خطابه للرد على الاتهامات السعودية المتعلقة بمحاولة استهداف المدينة، وكرر نفي صنعاء بصورة قاطعة لأي استهداف للمقدسات، واصفاً الرواية السعودية بأنها «بهتان» يراد منه حشد الرأي العام الإسلامي ضد اليمن بعد التطورات العسكرية الأخيرة.
وأكد أن صنعاء لا تنظر إلى مكة باعتبارها شأناً سعودياً حصرياً، بل مقدساً إسلامياً يعني جميع المسلمين، مشدداً على أن الشعب اليمني يعتبر الدفاع عن مكة والمدينة والمسجد الأقصى جزءاً من هويته الدينية والسياسية.
وفي الوقت نفسه، ربط الحوثي المواجهة مع السعودية بالموقف اليمني من فلسطين، مؤكداً أن تصاعد الحرب داخل اليمن لن يدفع صنعاء إلى التخلي عن جبهة إسناد الفلسطينيين، وأن إسرائيل تظل في خطاب أنصار الله الخطر الأساسي على المقدسات الإسلامية.
وتوقف السيد الحوثي عند تحركات كيان العدو الإسرائيلي الأخيرة في القدس ومحيط المسجد الأقصى، معتبراً أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يوظف الاعتداءات على الفلسطينيين والمقدسات في صراعاته السياسية الداخلية، وداعياً الدول العربية والإسلامية إلى توجيه اهتمامها نحو مواجهة الاحتلال بدل الدخول في مواجهة مع اليمن.
وأكد أن صنعاء ستظل إلى جانب الشعب الفلسطيني والمقاومة في فلسطين ولبنان وإيران وبقية «محور الجهاد والمقاومة»، وأنها ستكون مستعدة للعودة إلى مستوى أعلى من الإسناد إذا دخل الفلسطينيون في مرحلة تصعيد جديدة.
