“خاص”
بالتزامن مع اتساع تأثير العمليات اليمنية في العمق السعودي وتعطل المطارات وتزايد الضغط على القواعد والمنشآت النفطية، أعادت الرياض بصورة متكررة الزج باسم مكة المكرمة والمدينة المنورة في قلب المواجهة، عبر إعلانات متلاحقة عن اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة تزعم أنها كانت تستهدف المنطقتين المقدستين.
ولم تأت هذه الإعلانات بصورة عابرة أو منفردة، بل تكررت بوتيرة لافتة خلال فترة زمنية قصيرة. ففي 21 أكتوبر أعلنت السعودية اعتراض مسيرات في المدينة المنورة والمنطقة الشرقية، وفي 22 أكتوبر تحدثت عن اعتراض أربع مسيرات في الرياض والمدينة، ثم أعلنت في 24 أكتوبر اعتراض صاروخين باليستيين قالت إنهما كانا باتجاه منطقتي مكة والمدينة.
وفي 30 أكتوبر تكررت الإعلانات بشأن مكة والمدينة، ثم عادت الرياض في 3 نوفمبر للحديث عن اعتراض مسيرة في مكة، وصولاً إلى 5 نوفمبر عندما أعلنت اعتراض صاروخ باليستي في أجواء المدينة المنورة.
أمام هذا التصعيد الإعلامي، جاء موقف القوات المسلحة اليمنية واضحاً وحاسماً: مكة والمدينة خارج بنك الأهداف اليمني، والعمليات تستهدف القواعد العسكرية والمطارات والمنشآت النفطية المرتبطة بالحرب على اليمن.
وفي 30 أكتوبر نفت القوات المسلحة تنفيذ أي عملية باتجاه الأراضي السعودية في ذلك اليوم، بعد إعلان الرياض اعتراض مسيرة في منطقة مكة، مؤكدة أن ما يجري استهدافه هو المنشآت النفطية والقواعد العسكرية.
وفي 5 نوفمبر جدد متحدث القوات المسلحة العميد يحيى سريع النفي عقب إعلان السعودية اعتراض صاروخ في أجواء المدينة، ووصف الاتهام بأنه “بهتان كبير وعظيم بحق شعبنا المسلم العزيز وقواته المسلحة”.
وأكد سريع أن “يمن الحكمة والإيمان هو أكثر الشعوب تقديساً للمقدسات”، في وقت استثنت فيه القوات المسلحة بصورة معلنة أجواء مكة المكرمة والمدينة المنورة من تحذيراتها لشركات الطيران والمسافرين بشأن الأجواء السعودية.
وهنا تبرز المفارقة التي تحاول الرياض القفز فوقها: بينما يتكرر الحديث عن “حماية المقدسات”، فإن الضربات التي أحدثت التأثير الأكبر وقعت في قلب البنية العسكرية والاقتصادية السعودية، من المطارات والقواعد إلى المنشآت النفطية ومراكز القيادة.
فبحسب بيانات شركة Cirium التي نقلتها رويترز، أُلغي 4071 من أصل 4736 رحلة مقررة في مطار الملك خالد الدولي بالرياض بين 8 و25 أكتوبر، بما يعادل نحو 86% من الرحلات.
وفي الفترة ذاتها، بلغت نسبة الرحلات الملغاة في الدمام 42% وفي أبها 46.7%، فيما ألغيت جميع الرحلات التي شملتها البيانات في مطار نجران، وبلغ مجموع الرحلات الملغاة في المطارات السعودية أكثر من 7800 رحلة.
كما تعرض مطار الملك فهد الدولي قرب الدمام لهجوم أدى إلى سقوط قتلى وجرحى قبل استئناف العمل لاحقاً، واضطرت شركات طيران دولية إلى تعليق رحلاتها إلى الرياض والدمام مع تصاعد العمليات.
ولم يتوقف الضغط عند المطارات. فقد امتد إلى قطاع النفط والمنشآت التابعة لأرامكو، ووصل إلى إخلاء موظفين من مقر الشركة في الظهران والعمل عن بعد، في وقت تصاعدت فيه التهديدات والعمليات التي استهدفت البنية النفطية السعودية.
وفي 29 أكتوبر أعلنت الرياض اعتراض صاروخين فوق العاصمة، لكنها أقرت في الوقت نفسه بسقوط شظايا تسببت في إصابة وأضرار مادية، وهو ما يكشف أن المشكلة الحقيقية التي تواجهها السعودية ليست في مكة والمدينة، بل في قدرة العمليات اليمنية على الوصول إلى المراكز الحيوية داخل المملكة وإرباك منظومات الحماية والدفاع.
ومع اتساع هذا الضغط، تحولت مزاعم استهداف المقدسات إلى ورقة سياسية وإعلامية جاهزة للتعبئة، إذ سرعان ما صدرت بيانات عربية ودينية تدين ما وصفته السعودية بمحاولات استهداف مكة والمدينة.
وفي 26 أكتوبر أصدرت الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب بياناً يدين تلك الهجمات، كما تبنت جهات دينية سعودية الرواية ذاتها، لتتحول المسألة من مواجهة عسكرية مرتبطة بالمطارات والقواعد والمنشآت النفطية إلى خطاب عنوانه “الدفاع عن المقدسات”.
وهنا تكمن فائدة الرواية بالنسبة للرياض: نقل مركز النقاش من شلل المطارات وضرب المنشآت والقواعد وفشل وقف العمليات اليمنية، إلى مساحة دينية شديدة الحساسية قادرة على استدعاء التعاطف العربي والإسلامي وتوسيع دائرة الدعم الخارجي.
وتزامن هذا المسار مع تحركات سعودية للحصول على مزيد من الدعم العسكري، إذ تحدثت تقارير عن مساعٍ للحصول على مساعدات دفاعية وهجومية من شركاء خارجيين، في وقت كانت فيه الضربات اليمنية توسع الضغط على المنشآت والمطارات والقواعد داخل المملكة.
لكن استخدام اسم مكة والمدينة لا يغير طبيعة الأهداف التي أعلنتها صنعاء مراراً؛ فمعادلة العمليات تقوم على “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، وتضع المنشآت النفطية والعسكرية والمطارات ضمن دائرة الاستهداف، بينما تبقى المناطق المقدسة مستثناة بصورة معلنة.
كما أن محاولة تصوير اليمن كتهديد للمقدسات تصطدم بموقفه المعلن والعملي تجاه غزة وفلسطين والمسجد الأقصى، حيث دخلت صنعاء في مواجهة عسكرية دعماً للفلسطينيين ورفضاً للاعتداءات الإسرائيلية على غزة والمقدسات الإسلامية.
فاليمن الذي جعل الأقصى وغزة جزءاً مركزياً من معركته السياسية والعسكرية لا يحتاج إلى دروس في تعظيم مكة والمدينة، ولا يستقيم اتهامه باستهداف المقدسات في الوقت الذي يعلن فيه استثناءها صراحة من عملياته وتحذيراته الجوية.
المفارقة أصبحت أكثر وضوحاً مع كل جولة تصعيد: الرياض تتحدث عن مكة والمدينة، بينما الضربات الفعلية تعطل مطاراتها وتضغط على قواعدها ومنشآتها النفطية والعسكرية.
ومن هنا يصبح تكرار اتهام صنعاء باستهداف المقدسات جزءاً من محاولة أوسع للخروج من مأزق عسكري واقتصادي متصاعد، وتحويل الأنظار عن النتائج التي تظهر في آلاف الرحلات الملغاة، وتعطل المطارات، وتشديد إجراءات الحماية، وإخلاء المنشآت الحيوية، واتساع نطاق الضربات داخل العمق السعودي.
أما صنعاء فحسمت موقفها بصورة لا تحتمل التأويل: مكة والمدينة والمقدسات الإسلامية ليست أهدافاً، والحديث عن استهدافها افتراء سياسي، بينما القواعد العسكرية والمطارات والمنشآت النفطية التي تمول وتخدم الحرب على اليمن ستظل في دائرة العمليات ما استمر العدوان والحصار.
